في مشهدٍ غير مألوف منذ أكثر من عشرين عامًا، رفرف علم كوريا الجنوبية إلى جانب العلم السوري في فندق "رويال سميراميس" وسط العاصمة دمشق، معلنًا عن بداية جديدة في العلاقات بين البلدين، بعد سنوات من القطيعة السياسية والجمود الدبلوماسي.
خلال حفل رسمي حضره ممثلون عن الحكومة السورية الانتقالية ووكالات الأمم المتحدة، أعلنت كوريا الجنوبية عن تقديم حزمة مساعدات إنسانية بقيمة 38 مليون دولار، موزعة عبر أربع وكالات دولية:
- اليونيسف: 15 مليون دولار لدعم الأطفال والتعليم
- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: 10 ملايين دولار لإعادة الإعمار المحلي
- برنامج الأغذية العالمي: 10 ملايين دولار للأمن الغذائي
- منظمة الصحة العالمية: 3 ملايين دولار لتعزيز القطاع الصحي
لكن خلف هذه الأرقام، تبرز دلالات سياسية عميقة تتجاوز الإغاثة، وتكشف عن إعادة تشكيل المشهد الدبلوماسي في سوريا ما بعد الأسد.
من القطيعة إلى الانفتاح: تحوّل استراتيجي
العلاقات بين كوريا الجنوبية وسوريا كانت قد انقطعت رسميًا عام 2003، إثر تقارب النظام السابق مع كوريا الشمالية. لكن بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، إثر هجوم خاطف قادته فصائل المعارضة، وتولي الرئيس الانتقالي أحمد الشرع قيادة البلاد، بدأت دمشق بإعادة توجيه بوصلتها السياسية نحو دول كانت تعتبرها خصمًا أو هامشية.
وفي 10 نيسان 2025، وقّع وزيرا خارجية البلدين اتفاقًا رسميًا لاستئناف العلاقات، تبعته زيارة تاريخية لوزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو تاي يول إلى دمشق، وافتتاح مكتب دبلوماسي مؤقت في العاصمة. الإعلام الكوري وصف الزيارة بأنها "أشبه بمشهد من روايات التجسس الدبلوماسية"، في إشارة إلى رمزية اللحظة وتعقيداتها.
كوريا الجنوبية كرمز جديد في خارطة التحالفات
اختيار كوريا الجنوبية لتكون أول من يمدّ يد العون لسوريا بعد سقوط النظام يحمل دلالة رمزية قوية:
- دولة غير استعمارية، لا تحمل إرثًا سياسيًا في المنطقة
- نموذج اقتصادي ناجح، يقدّم نفسه كشريك تنموي لا وصي سياسي
- حيادية نسبية، تسمح لها بالتحرك في الفراغات الدبلوماسية دون إثارة حساسيات
هذا التموضع الجديد يعكس رغبة دمشق في إعادة تعريف علاقاتها الدولية بعيدًا عن المحاور التقليدية، خصوصًا المحور الإيراني–الروسي، ويفتح الباب أمام استثمارات غير مشروطة سياسيًا، ويمنح الحكومة الانتقالية اعترافًا دوليًا ضمنيًا.
تحديات المرحلة الانتقالية
رغم هذا الانفتاح، تبقى التحديات قائمة:
- هل تستطيع الحكومة الانتقالية الحفاظ على استقلالية القرار في ظل تدفق المساعدات؟
- هل ستُترجم هذه العلاقات إلى مشاريع تنموية حقيقية أم تبقى رمزية؟
- كيف ستتعامل دمشق الجديدة مع الدول التي دعمت النظام السابق؟
لحظة رفع العلمين: إعلان رمزي لميلاد دبلوماسي جديد
رفع علم كوريا الجنوبية إلى جانب علم المعارضة السورية لم يكن مجرد بروتوكول، بل إعلان عن بداية مرحلة جديدة، حيث تتقاطع السياسة مع الإنسانية، وتُعاد صياغة العلاقات الدولية على أرضٍ كانت حتى وقت قريب ساحة نزاع.
في سوريا ما بعد الأسد، لا تُقاس التحالفات بالولاء، بل بالقدرة على البناء. وكوريا الجنوبية، بهذا الحضور المبكر، تضع أول حجر في طريق طويل نحو إعادة الإعمار، وإعادة الاعتبار لسوريا كدولة فاعلة لا مجرد ملف إنساني.