النفق الذي فضح الرواية: حلب بين السيادة والتمثيل المسرحي

 


في مدينة حلب، حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ، اندلعت شرارة تصعيد جديدة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، لم تكن وليدة لحظة، بل نتيجة تراكمات سياسية وأمنية، بدأت من فتحة نفق وانتهت باتفاق هش تحت ضغط دولي، وفضحت لعبة “المظلومية المصطنعة” التي باتت تُستخدم كأداة ضغط سياسي وإعلامي.


بداية التصعيد: نفقٌ يقود إلى المواجهة


بدأت الأحداث حين اكتشف الجيش العربي السوري نفقًا يمتد من مناطق تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) داخل الحيين، وصولًا إلى ثكنة طارق بن زياد في حي السبيل. هذا الاكتشاف لم يكن مجرد خرق أمني، بل كشف عن شبكة تحركات غير معلنة تهدد التوازن الهش بين الطرفين. النفق، الذي اخترق خطوط التماس، أعاد طرح سؤال السيادة: من يملك القرار في هذه الأحياء؟ ومن يراقب ما يجري تحت الأرض؟


رد الجيش السوري كان حازمًا: تفجير النفق، إغلاق جميع المعابر والمداخل، ورفع السواتر الترابية، مع تعزيزات عسكرية على الجبهات المحيطة. لم يكن الهدف عملية عسكرية شاملة، بل إجراء وقائي لمنع أي تسلل أو تصعيد محتمل.


من الاحتجاج إلى الاستهداف: قلب الرواية


قسد اعتبرت هذه الإجراءات حصارًا، وبدأت بتحريض الأهالي على التظاهر، في مشهدٍ إعلامي صُوّر على أنه "انتفاضة شعبية ضد القمع"، بينما الحقيقة أن قسد انسحبت من الحواجز المشتركة واستهدفت قوات الأمن العام، ما أدى إلى مقتل عنصر وإصابة ثلاثة آخرين.


لاحقًا، قصفت قسد أحياء سكنية في حلب بقذائف الهاون، ما أسفر عن مقتل مدني وإصابة خمسة آخرين بينهم امرأتان، في مناطق متفرقة. هذه الاعتداءات لم تُذكر في معظم التغطيات الإعلامية التي ركزت على "حصار الحيين"، متجاهلة السياق الأمني الذي دفع الجيش للتحرك.


وقف إطلاق النار: اتفاق هش تحت ضغط دولي


بعد ساعات من الاشتباكات المتقطعة، تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار بين الجيش السوري وقسد، بوساطة أميركية، وبحضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، الذين التقوا بالرئيس الشرع في دمشق.


الاتفاق جاء ضمن إطار اتفاق آذار الذي ينص على دمج قوات قسد في مؤسسات الدولة السورية، ونقل السيطرة على المعابر والمطارات والحقول النفطية إلى دمشق. لكن التنفيذ ظل بطيئًا، وسط اتهامات متبادلة بالمماطلة والاستفزاز.


المبعوث الأميركي توماس باراك وصف الاجتماعات بأنها "مثمرة"، مؤكدًا أن الحكومة السورية وقسد توصّلتا إلى وقف شامل لإطلاق النار، وشدد على أهمية الالتزام بتنفيذ اتفاق العاشر من آذار. وأضاف:  

"الأوضاع في سورية تسير بالاتجاه الصحيح، والولايات المتحدة تشجع الطرفين على اتخاذ قرارات مقبولة للطرفين"،  

في تصريحٍ يعكس رغبة واشنطن في الحفاظ على التهدئة دون التورط في تفاصيل السيادة.


مفاوضات دمشق: شروط الدولة ورفض قسد


في اللقاءات التي جرت في دمشق، اشترطت الدولة السورية لبدء أي مفاوضات:

- انسحاب عناصر قسد من الحيين  

- تسليم المطلوبين للأجهزة الأمنية  

- دخول قوى الأمن الداخلي لفرض سيطرة الدولة  


في المقابل، طالبت قسد بوقف إطلاق النار دون تقديم ضمانات حقيقية، ما كشف عن خلل في التوازن التفاوضي، خاصة مع استمرارها في فتح ممرات لتهريب الأسلحة والممنوعات، بحسب وزارة الداخلية السورية.


لعبة المظلومية: تكتيك إعلامي مكشوف


قسد، وفق مصادر رسمية، تعيش على افتعال الأزمات وخلق مظلومية مصطنعة تُسوّقها في الخارج لكسب غطاء سياسي حين تضيق بها الدوائر. كل تحرك عسكري خارج شرق الفرات يُفسَّر كـ"هروب من الضغوط الأميركية"، ومحاولة لإعادة التموضع كلاعب لا يمكن تجاوزه.


لكن هذا التكتيك بات مكشوفًا، لا يقنع الداخل السوري ولا العواصم التي كانت تراهن عليه. فكلما ضاق الخناق، تلجأ قسد إلى لعبة "الضحية والبطولة" في آنٍ واحد، وهي لعبة لم تعد تُجدي.


موقف الدولة السورية: حماية السيادة وحقن الدماء


الرئيس أحمد الشرع، في لقاءاته الأخيرة، أكد أن الحكومة السورية ملتزمة باتفاق آذار وتسعى لحقن الدماء، لكن سيطرة التيار الانعزالي داخل قسد هو ما يمنع نجاح الاتفاق حتى الآن.


وزارة الدفاع السورية شددت على أن تحركات الجيش ليست تمهيدًا لعمل عسكري، بل لإعادة الانتشار ومنع الاعتداءات المتكررة، مؤكدة أن قسد تحرض الأهالي وتستهدف الجيش والأمن الداخلي، ما يهدد وحدة الأراضي السورية.


تحذير تركي: لا مكان للفوضى


في تطور لافت، وزارة الدفاع التركية أعلنت استعدادها لتنفيذ عملية عسكرية مشتركة مع الجيش السوري في حال استمرار تعنت قسد ورفضها الاندماج. وأكدت أن أي محاولة لفرض واقع انفصالي ستُواجَه بقوة مشتركة لا هوادة فيها، وأن تركيا لن تسمح بتحويل شمال سوريا إلى بؤرة فوضى أو تهديد دائم.


هذا الموقف يضع قسد أمام خيارين: إما الاندماج ضمن مؤسسات الدولة، أو مواجهة عزلة قد تكون مكلفة.


بين الحقيقة والرواية


ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية ليس مجرد اشتباك محلي، بل فصل جديد من فصول الصراع على السيادة والهوية. وبين النفق المكتشف والرواية المقلوبة، يبقى السؤال: هل ستنجح الدولة السورية في فرض سيادتها على كامل ترابها، أم ستستمر قسد في لعبتها الرمزية التي باتت مكشوفة؟


لكن في زمنٍ تتكاثر فيه الروايات، تبقى السيادة هي الرواية الوحيدة التي لا تُكتب بالحبر، بل تُثبت على الأرض.


الزمن وحده سيجيب، لكن الحقيقة بدأت تتضح، رغم كل محاولات التعتيم.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال