في أعقاب ليلة متوترة شهدت تصعيداً أمنياً في مدينة حلب، عاد ملف التفاهمات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى واجهة الأحداث، بعد سلسلة من التصريحات الإقليمية والدولية التي كشفت حجم التباين في المواقف، وسط دعوات متزايدة لتوحيد الصف السوري وحقن الدماء.
الاشتباكات التي اندلعت مساء الإثنين لم تكن مجرد توتر عابر، بل جاءت بعد اكتشاف نفق يمتد من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية إلى حي السبيل، ما اعتبرته دمشق تهديداً مباشراً للأمن الوطني. الجيش السوري دمّر النفق، لكن قسد ردّت باستهداف حاجز أمني في حي العوارض، ما أدى إلى مقتل عنصر من الأمن الداخلي وإصابة اثنين آخرين، تزامناً مع قصف طال أحياء سيف الدولة والميدان والسريان، وأدى إلى إصابة عدد من المدنيين بينهم أطفال ونساء، إضافة إلى إصابة مراسل صحفي.
في اليوم التالي، عُقد اجتماع رسمي بين ممثلي الحكومة السورية وقسد برعاية أميركية، أُعلن فيه إعادة تفعيل التفاهمات السابقة، التي ظلت حتى الآن حبراً على ورق.
دمشق: التزام واضح وسعي لحقن الدماء
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره في أنقرة، أكد أن الحكومة السورية تتحرك بسرعة لتنفيذ الاتفاق، بينما قسد ما تزال بطيئة في اتخاذ الخطوات الصحيحة. وقال إن الاجتماع الذي عُقد أمس هدفه إعادة التأكيد على الالتزام، مشدداً على أن أي انقسام في سوريا بات غير مقبول، وأن سوريا عادت بثقلها ومكانتها التاريخية إلى مكانها بين دول العالم.
كما أشار إلى أن الحكومة السورية تتحمل مسؤولياتها في مكافحة الإرهاب والمخدرات والميليشيات العابرة للحدود، داعياً المجتمع الدولي إلى دعم مساعي دمشق في إعادة إحياء فض الاشتباك، وتحسين الخدمات في مناطق شمال شرقي سوريا.
أنقرة: بين الدفاع عن الأمن القومي والدور الإقليمي
في المؤتمر ذاته، أطلق وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تصريحات حادة، قائلاً إن الوقت قد حان لإخراج قسد من المعادلة، مضيفاً أن على الأطراف السورية حل مشاكلها بنفسها، وأن تركيا تكتفي بدور المساعدة. وأكد أن بلاده لن تسمح لأي طرف بأن يؤثر على استقرار سوريا، مشدداً على ضرورة إلزام قسد بتنفيذ التفاهمات، معرباً عن أمله في أن يتحقق اندماجها بصورة سلمية ضمن الدولة السورية.
وفي قراءة أوسع للموقف التركي، تؤكد أنقرة أنها لا تملك أطماعاً في الأراضي السورية، خلافاً لما تروّج له بعض الأطراف المرتبطة بقسد. فالعلاقات التاريخية والجغرافية بين الشعبين السوري والتركي تجعل من دورها الطبيعي في حماية أمنها القومي أمراً مشروعاً، خاصة في ظل تمدد المجموعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني على حدودها الجنوبية.
وترى تركيا أن رفضها لسيطرة هذه الجماعات على الشريط الحدودي لا يُعد عداءً للشعب السوري، بل خطوة تهدف إلى منع تقسيم المنطقة وزرع كيانات انفصالية فيها. كما تعتبر أن تجاهل دورها في أي مفاوضات تخص مستقبل سوريا هو تجاهل للواقع السياسي القائم، وأن مصالحها تلاقت مع مصالح السوريين في هدف مشترك يتمثل في التخلص من التنظيمات الانفصالية والإرهابية التي تهدد وحدة سوريا واستقرارها.
واشنطن تنفي الاتهامات ... وباريس تدعم الحوار
المبعوث الأميركي توم باراك، الذي زار الحسكة بصفته وسيطاً لتسهيل تنفيذ التفاهمات، شدد على أن "الاتفاق يحمل أهمية بالغة ليس فقط لاستقرار سوريا وأمنها، بل أيضاً للمصالح الاستراتيجية لكل من تركيا والولايات المتحدة"، ونفى بشدة الاتهامات حول وجود خرائط أو نشاطات تمس وحدة الأراضي التركية، واصفاً تلك الاتهامات بأنها "سخيفة تماماً".
أما الخارجية الفرنسية، فرحّبت باتفاق وقف النار بين دمشق وقسد، معتبرة أنه تقدم نحو خفض التصعيد، ودعت إلى استمرار الحوار لتنفيذ التفاهمات السياسية.
قسد: مماطلة، انتهاكات، وتحريض إعلامي
في المقابل، تواصل قسد مماطلتها في تنفيذ التفاهمات، وسط تصاعد الانتهاكات بحق المدنيين، كما وثّقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، التي تحدثت عن احتجاز تعسفي لأطفال وطلاب معاهد في الرقة ودير الزور، ومداهمات تهدف إلى سوق المحتجزين إلى معسكرات التجنيد الإجباري، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل.
مجلس سوريا الديمقراطية عبّر عن رفضه للمركزية، مؤكداً أن اندماج قسد مع القوات الحكومية لم يتم بعد، وأن الملف شأن سوري وليس تركياً. كما أبدى مخاوفه من مساعي الحكومة السورية للتهميش، منتقداً ما وصفه بالاستقواء بتركيا، في وقت تستمر فيه التحريضات الإعلامية ضد دمشق من منصات محسوبة على الإدارة الذاتية.
مواقف كردية وروسية متباينة
الرئيس نيجيرفان بارزاني اعتبر أن الطلب من قسد الانضمام بشكل فردي إلى الجيش السوري هو طلب خاطئ، مشيراً إلى أن قسد قدمت تضحيات كبيرة في محاربة داعش، وأن سوريا يجب أن تُدار بنظام لا مركزي.
أما وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فحذّر من انفجار القضية الكردية في حال أسفرت مناورات الحكم الذاتي عن نتائج ملموسة، داعياً إلى الحذر من تداعيات هذا الملف في دول عدة.
في ظل هذه التطورات، تبدو الحكومة السورية مصممة على المضي في تنفيذ التفاهمات، رغم المماطلة الكردية والانتهاكات المتكررة. وبين سعي دمشق لحقن الدماء وتوحيد الصف، وتصعيد تركي وتحذيرات دولية، يبقى مستقبل العلاقة بين الدولة وقسد مرهوناً بمدى جدية الأطراف في ترجمة النوايا إلى خطوات عملية.
