منذ الإعلان عن اتفاق 10 آذار بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، لم تهدأ الساحة السورية من الجدل والتساؤلات حول مستقبل هذا التفاهم، فبين تصريحات متناقضة وضغوط دولية واحتجاجات شعبية بدا أن الاتفاق يراوح مكانه بين شراكة مؤجلة ومواجهة وشيكة، ومع دخول أطراف إقليمية ودولية على خط الوساطة يتضح أن الملف الكردي لم يعد شأناً داخلياً فحسب بل جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتقاطع فيها مصالح واشنطن وأنقرة وتل أبيب فيما تحاول دمشق تثبيت رؤيتها القائمة على وحدة الأرض والشعب.
اتفاق 10 آذار بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي لم يكن سوى محاولة لتأجيل المواجهة وشراء الوقت من الطرفين، فعبدي الذي كان شريكاً رئيسياً للنظام السابق وجد نفسه بعد سقوط الأسد أمام واقع جديد دفعه لإعادة ترتيب أوراقه ومحاولة اللعب على هوامش المصالح والمتغيرات الدولية، فيما سعى الشرع بعد تسلمه السلطة إلى تقديم نفسه للعالم كحليف للغرب وإعادة التموضع كزعيم سوري مقبول دولياً، لكن الاتفاق لم يكن اتفاقاً للحل بقدر ما كان خطوطاً عريضة فضفاضة سرعان ما اصطدمت بالتفاصيل والتطبيق، إذ أن قسد لن تقبل إلا بمشروعها الكامل القائم على الفيدرالية الكردية واللامركزية السياسية مع جيش خاص تمهيداً للانفصال الكامل، وهو ما تعتبره الحكومة والشعب السوري مشروعاً انفصالياً مرفوضاً.
واصل عبدي إطلاق تصريحات متناقضة كشف فيها عن تعرضه لمحاولات اغتيال وأكد وجود قنوات تواصل مع تركيا مشدداً على أن اللامركزية تقوي سوريا وأن حماية المكتسبات هي الهدف الأساسي، لكنه ربط تنفيذ اتفاق 10 آذار بتعديل الدستور الحالي وإعداد دستور جديد وهو ما اعتبره محللون نهاية فعلية للاتفاق، كما طالب بإضافة مكونات جديدة مثل الدروز والعلويين إلى الاتفاق في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول شرعية تمثيله لغالبية سكان الجزيرة السورية، فيما اعتبرت تحليلات أن تصريحاته تعكس ضغوطاً أميركية كبيرة عليه وأن محاولات افتعال التوترات في بعض المناطق تهدف إلى إظهار قسد كحامٍ للمكونات.
بالتوازي، شهدت عدة محافظات سورية مظاهرات مناهضة لقسد للجمعة الرابعة على التوالي، طالبت بتسليم المنطقة للحكومة وتنفيذ اتفاق آذار، بينما رأت قسد أن هذه التحركات تأتي بتوجيه رسمي وتشكل ضغطاً شعبياً لإلزامها بتنفيذ الاتفاق وفق رؤية دمشق.
أكدت الولايات المتحدة دعمها للوحدة الوطنية والاندماج السلمي لجميع المكونات، مشيرة إلى أنها تواصل تسهيل الحوار بين دمشق وقسد، في حين شدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على أن أنقرة لن تقع في فخ حصر مسألة نزع السلاح داخل حدودها بل تسعى إلى تطهير كامل المنطقة من حزب العمال الكردستاني وفروعه.
أما وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني فأكد أن دمشق قدمت كل ما يمكن تقديمه من ضمانات لحقوق الكرد وأن الهدف هو شراكة حقيقية وليست حلولاً مؤقتة، مشدداً على أن الحكومة لم تطلب من قسد الاستسلام أو الذوبان بل دعتها إلى الاندماج في مؤسسات الدولة مع الحفاظ على خصوصيتها وضمان مشاركتها، وأوضح أن الولايات المتحدة وعدت بأن تكون ضامناً لتنفيذ الاتفاق وهو ما تعتبره دمشق خطوة منطقية إذا أرادت واشنطن التعامل بجدية.
يبقى المشهد في النهاية مفتوحاً على احتمالات متعددة بين التصعيد الميداني والتفاهم السياسي وسط ضغوط دولية وإقليمية متزايدة، فيما يترقب السوريون ما إذا كان اتفاق 10 آذار سيبقى حبراً على ورق أم سيتحول إلى صيغة شراكة راسخة تعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة.
