شهدت سوريا سلسلة احتجاجات وتحركات متباينة، بدأت من مناطق ذات الغالبية العلوية في حمص والساحل وريف حماة الغربي، حيث طالب المحتجون بالأمان وإطلاق سراح الموقوفين. ورغم أن بعض اللافتات وصفتهم بـ"المعتقلين"، يؤكد نشطاء أن هؤلاء ليسوا معتقلي رأي، بل متهمون بارتكاب جرائم واسعة ضد المدنيين خلال سنوات حكم بشار الأسد، ولديهم سجل إجرامي موثق. وقد أثار هذا المطلب جدلاً كبيراً، إذ اعتبره كثيرون محاولة لإعادة دمج مجرمين في المجتمع.
وفي السويداء، نظّم ناشطون وقفة تضامنية مع العلويين، رُفعت خلالها صور رموز دينية للطائفتين الدرزية والعلوية، إلى جانب شعارات تطالب بالحماية الدولية والفيدرالية. هذه الخطوة أثارت جدلاً واسعاً بين القوى السياسية، إذ اعتبرها البعض اصطفافاً طائفياً خطيراً، فيما رأى آخرون أنها تعبير عن قلق وجودي مشترك بين الأقليات.
على المستوى الإقليمي، كشف الكاتب الفرنسي إينياس دال أن إسرائيل تتبع منذ بدايات الحركة الصهيونية سياسة تقوم على استثمار الأقليات في الشرق الأوسط كأدوات ضغط لإضعاف الدول العربية، مستشهداً بتاريخ طويل من التدخلات في لبنان وسوريا، ودعم جماعات محلية كالأكراد والدروز والموارنة. وأكد أن هذه العقيدة، المعروفة بـ"عقيدة الأطراف"، تهدف إلى منع أي دولة عربية مجاورة من التعافي سياسياً أو اقتصادياً، عبر تفكيك مجتمعاتها وتوظيف الانقسامات الطائفية لصالح التفوق الإسرائيلي.
وفي السياق نفسه، استبعد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس وجود "اتجاه للسلام" مع سوريا، مبرراً أن ملف الدروز يثير قلق المسؤولين الإسرائيليين. وأكد أن الجيش الإسرائيلي لديه خطة جاهزة للتدخل في حال تعرض جبل الدروز لهجمات جديدة، وهو ما تعتبره دمشق ذريعة إسرائيلية للتدخل في شؤونها الداخلية.
داخلياً، دعا غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، إلى اعتصامات سلمية ضد الحكومة السورية عقب التوتر الأمني في حمص، مؤكداً أن الحل يكمن في الفيدرالية واللامركزية السياسية، ومشدداً على أن "لا حرب دون وجود الفيدرالية"، موجهاً نداءً إلى جميع المكونات السورية، وفي مقدمتها المكون السني، لرفض الانزلاق نحو حرب طائفية.
في المقابل، شدد الرئيس السوري أحمد الشرع على أن المطالب الشعبية "محقة" في كثير منها، لكنه وصف بعضها بالمسيس، مؤكداً أن الدولة مستعدة للإصغاء إليها ومناقشتها بجدية. وأكد الشرع أن الوحدة الوطنية تشكل ركناً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه، معتبراً أن "آن الأوان لإنهاء حالة الانقسام التي زُرعت في نفوس السوريين لأكثر من ستين عاماً". كما شدد على أهمية الساحل السوري كمنفذ اقتصادي واستراتيجي، رافضاً أي دعوات للانفصال أو الفيدرالية التي وصفها بـ"الجهل السياسي".
وبينما الاحتجاجات الداخلية بين مطالب محلية ومخاوف من التقسيم، يبرز البعد الإقليمي كعامل مؤثر، حيث تُستخدم الأقليات كورقة ضغط في الصراع الممتد، ما يعكس تداخل المشهد الداخلي السوري مع الاستراتيجية الإسرائيلية الأوسع في المنطقة، في وقت تحاول فيه القيادة السورية الجديدة تثبيت الوحدة الوطنية ومواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية.
