من خيام النزوح إلى منصات النجاح: المهجّرون شركاء في التنمية لا عبء على المجتمعات


في زمن تتزايد فيه أزمات النزوح والهجرة القسرية، غالباً ما يُنظر إلى الملايين من المهجّرين باعتبارهم عبئاً إنسانياً يحتاج إلى مأوى وأمن وغذاء. لكن خلف هذه الصورة النمطية، تتكشف حكايات مختلفة تماماً: قصص أناس فقدوا أوطانهم، لكنهم لم يفقدوا إرادتهم في البناء والإبداع. بعضهم تحوّل إلى رواد أعمال ناجحين، ليبرهن أن الهجرة القسرية ليست نهاية الطريق، بل بداية جديدة مليئة بالفرص.  


تركيا نموذج بارز


منذ عام 2011، سجّلت تركيا أكثر من 14 ألف منشأة رسمية مملوكة لرواد أعمال سوريين. هذه الأرقام لا تعكس مجرد نشاط اقتصادي، بل قصة مقاومة وصمود في وجه التحديات. فالمهاجرون السوريون واجهوا عقبات معقدة: اللغة، التمييز، هشاشة الوضع القانوني، وصعوبات الاعتراف بالمؤهلات. ومع ذلك، استطاع بعضهم أن يثبت حضوره في السوق التركية، وأن يخلق فرص عمل جديدة، ليس فقط للسوريين بل للأتراك أيضاً.  


دراسة أوروبية: الانتماء هو كلمة السر


بحث أكاديمي حديث نشره موقع ذا كونفرسيشن أجرى مقابلات مع 170 رائد أعمال سوري في تركيا، ليكشف أن النجاح لا يرتبط فقط بالمهارة أو رأس المال، بل بما يُسمى "هوية البلد المضيف". أي شعور قوي بالانتماء والارتباط بالمجتمع والمؤسسات.  


- إتقان اللغة: ساعد على تعزيز الاتصال بالأسواق المحلية وفهم السياقات الثقافية.  

- الوضع القانوني: الحماية المؤقتة التي يحصل عليها السوريون لعبت دوراً محورياً؛ فالتأخر في منحها زاد من أثر التمييز وأضعف الاندماج، بينما الإسراع بها عزّز الثقة والأمان.  

- التمييز: الممارسات السلبية من المجتمع أو السلطات قوّضت هذا الانتماء، وأثرت على الأداء الاقتصادي.  


الدراسة حذّرت من أن التأخير في تسوية الوضع القانوني يترك ندوباً غير مرئية على شعور الأفراد بالانتماء، حتى بعد حصولهم لاحقاً على أوراق رسمية. هذا "الضرر المتراكم" يمثل شكلاً من أشكال عدم المساواة التي لا تلتقطها السياسات التقليدية.  


قصص نجاح خلف الأرقام


وراء هذه الإحصاءات، هناك قصص إنسانية ملهمة. رائد أعمال سوري أسس مطعماً في غازي عنتاب، بدأ بفريق صغير من اللاجئين، ثم توسّع ليخدم مئات الزبائن يومياً، ويُوظّف عشرات العمال الأتراك والسوريين معاً. آخر افتتح ورشة صغيرة للخياطة، تحولت لاحقاً إلى علامة تجارية محلية. هذه النماذج تؤكد أن المهاجرين ليسوا عبئاً، بل قوة اقتصادية كامنة تنتظر أن تُمنح الفرصة.  


مصلحة عامة وعدالة اجتماعية


نجاح رواد الأعمال المهجّرين ليس مكسباً فردياً فحسب، بل مصلحة عامة. فهم يخلقون وظائف، يدفعون ضرائب، ويضيفون قيمة للاقتصاد المحلي. أما حين تُكبّلهم العوائق، يخسر المجتمع طاقاتهم. لذلك، شددت الدراسة على أن القضية ليست اقتصادية فقط، بل عدالة اجتماعية: هؤلاء الأفراد يسعون للانتماء والمساهمة رغم فقدانهم كل شيء، ومن واجب الدول والمجتمعات أن ترفع الحواجز أمامهم.  


توصيات للسياسات العامة


- تسريع المسار القانوني: منح الوضع القانوني بسرعة يوفّر أساساً صلباً للتخطيط والعمل بثقة.  

- الاستثمار في اللغة: تعليم لغة البلد المضيف يسهل الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.  

- مكافحة التمييز: التثقيف العام ضروري لتفكيك الصور النمطية التي تضر الاقتصادات.  


ختاماً


الهجرة القسرية ستظل واقعاً ممتداً في عالمنا المضطرب، لكن طريقة التعامل معها هي ما يحدد النتائج. حين يُمنح المهجّرون فرصة للاندماج والانتماء، يتحولون من ضحايا إلى شركاء، ومن عبء إلى قيمة مضافة. إن قصص رواد الأعمال السوريين في تركيا تذكير قوي بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأجدى، وأن فتح الأبواب أمام المهاجرين ليس فقط واجباً إنسانياً، بل أيضاً رهاناً رابحاً على مستقبل أكثر عدلاً ونمواً.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال