لم يكن يوم العاشر من تشرين الثاني يوماً عادياً في واشنطن، فقد دخل الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض ليجلس وجهاً لوجه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أول زيارة لرئيس سوري إلى العاصمة الأميركية منذ استقلال سوريا عام 1946. هذه اللحظة لم تكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل حملت رمزية سياسية عميقة، إذ جاءت بعد شطب اسم الشرع من قوائم الإرهاب الأميركية والدولية، لتعلن بداية مرحلة جديدة في علاقة دمشق بواشنطن.
اللقاء الذي جرى في المكتب البيضاوي، بعيداً عن عدسات الإعلام، تركز على ملفات شائكة تتعلق بالأمن الإقليمي، مستقبل الوجود العسكري الأميركي في سوريا، والعلاقات الثنائية التي ظلت مجمدة لعقود. لكن أهميته لم تكمن فقط في القضايا المطروحة، بل في كونه إشارة واضحة إلى أن واشنطن باتت تنظر إلى الشرع كرجل دولة وشريك محتمل، بعد سنوات طويلة من العزلة والعقوبات.
ترامب نفسه لم يتردد في التعبير عن ثقته بالرئيس السوري الجديد، إذ قال للصحفيين عقب اللقاء إنه على وفاق مع الشرع ويعتبره قائداً قوياً، مؤكداً أنه سيبذل ما بوسعه لإنجاح سوريا لأنها جزء أساسي ومهم من الشرق الأوسط. وأضاف أن سوريا كانت عبر تاريخها موطناً للأطباء والمحامين والعقول اللامعة، وأنه يريد أن يراها ناجحة إلى جانب بقية المنطقة. هذه التصريحات، التي رافقها حديث عن العمل مع إسرائيل على التفاهم مع دمشق، عكست رغبة أميركية في إعادة إدماج سوريا في معادلات الشرق الأوسط، وربما فتح صفحة جديدة في العلاقات الإقليمية.
ورغم أن إدارة ترامب علّقت الجزء الأكبر من العقوبات المفروضة على سوريا، فإن قانون قيصر بقي العقبة الأكبر، إذ يملك الكونغرس وحده سلطة إلغائه بشكل كامل. ومع ذلك، فإن مجرد تعليق العقوبات شكّل تحولاً كبيراً، فتح الباب أمام نقاشات أوسع حول إعادة الإعمار، دعم الاقتصاد السوري، وترسيخ الاستقرار على الحدود السورية – الإسرائيلية. الشرع، الذي راكم خبرة في التعامل مع الملفات الأمنية والجهادية، دخل اللقاء وهو يحمل أجندة واضحة: إنهاء العزلة، إعادة بناء الدولة، وإعادة سوريا إلى موقعها الطبيعي في النظام الدولي.
أحد أبرز محاور الزيارة كان ملف الانضمام الرسمي لسوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية. هذه الخطوة، التي طال انتظارها، تنقل دمشق من محور موسكو – طهران إلى موقع الشريك الغربي في مكافحة الإرهاب. الاتفاق الذي وُقع في واشنطن جاء سياسياً في مضمونه، من دون مكونات عسكرية مباشرة، لكنه يفتح الباب أمام تعاون أعمق في المستقبل، وربما إعادة صياغة قواعد الاشتباك في مناطق النفوذ داخل سوريا. بالنسبة لواشنطن، فإن إدماج سوريا في التحالف يمثل ورقة ضغط على الكونغرس لإلغاء قانون قيصر، ويعزز صورة الشرع كشريك أساسي في مواجهة التنظيمات المتطرفة.
الزيارة لم تقتصر على البيت الأبيض وحده، بل امتدت إلى المؤسسات الاقتصادية الدولية. ففي مقر صندوق النقد الدولي، التقى الشرع مديرة الصندوق كريستالينا جورجيفا، حيث ناقش معها سبل دعم التنمية الاقتصادية في سوريا، وإصلاح البنك المركزي، وتقديم بيانات اقتصادية موثوقة، ورفع قدرة الدولة على توليد الإيرادات. جورجيفا أكدت استعداد الصندوق لتقديم الدعم الفني للمؤسسات المالية السورية، في إشارة إلى أن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع دمشق كدولة تسعى إلى التحول الاقتصادي بعد سنوات الحرب والعزلة.
على الصعيد الأمني، لم تغب التحديات عن المشهد. فقد كشفت مصادر أمنية عن إحباط مؤامرتين منفصلتين لتنظيم الدولة لاغتيال الشرع، فيما أعلنت وزارة الداخلية السورية عن حملة واسعة أسفرت عن اعتقال أكثر من سبعين مشتبهاً بهم. هذه التطورات أظهرت أن الحرب ضد الإرهاب ما زالت مستمرة، وأن انضمام سوريا للتحالف الدولي ليس مجرد خطوة سياسية، بل ضرورة أمنية لحماية الدولة ومؤسساتها.
ولم تقتصر رسائل الشرع على اللقاءات الرسمية، إذ ظهر فجر اليوم في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز الأميركية ليؤكد أن سوريا دخلت عهداً جديداً بعد سقوط نظام الأسد، وأنها ستضع استراتيجية جديدة مع الولايات المتحدة. الشرع شدد على أن بلاده لن تدخل حالياً في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بسبب احتلال الجولان، لكنه لم يستبعد أن تساعد الإدارة الأميركية في فتح هذا الباب مستقبلاً. كما تناول قضية إنسانية حساسة حين كشف أنه على اتصال بوالدة الصحفي الأميركي المفقود أوستن تايس، مؤكداً عزمه بذل قصارى جهده للعثور على أي معلومات عنه وعن باقي المفقودين. هذه الرسائل الإعلامية عززت صورة الشرع كرجل دولة يخاطب الداخل والخارج معاً، ويضع نفسه في موقع المسؤولية أمام المجتمع الدولي.
وفي مقابلة أخرى مع صحيفة واشنطن بوست، شدد الشرع على أن رفع العقوبات أمر ضروري لإعطاء سوريا الفرصة للتعافي من عقود الحرب، مؤكداً أن سياسات ترامب تعكس دعماً لاستقرار سوريا ووحدتها الإقليمية، وأن غالبية أعضاء الكونغرس الذين التقاهم يؤيدون رفع العقوبات. وفي ما يتعلق بإسرائيل، أوضح أن بلاده تفضل اتفاقاً يعيد الأراضي المحتلة منذ كانون الأول الماضي، لا اتفاق تطبيع واسع على غرار اتفاقات أبراهام. وأكد أن المفاوضات مع إسرائيل صعبة لكنها مستمرة بدعم أميركي ودولي، مشيراً إلى أن أي اتفاق مستقبلي سيتطلب انسحاب إسرائيل إلى مواقعها قبل سقوط نظام الأسد، معتبراً أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على ضبط تصرفات إسرائيل.
ولم يغب البعد الإقليمي عن المشهد، إذ أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أنه بحث مع المسؤولين الأميركيين في واشنطن فرص التعاون حول سوريا، وضرورة إلغاء قانون قيصر بشكل كامل ودائم لإعادة إنعاش الاقتصاد السوري. فيدان أوضح أنه شارك في اجتماع موسّع في البيت الأبيض ضم وزيري الخارجية السوري والأميركي وعدداً من المبعوثين الدوليين، حيث ناقشوا إدارة مناطق الأزمات في جنوب سوريا وشمالها. وأكد أن الولايات المتحدة تدرك طبيعة المشكلات التي تهدد وحدة الأراضي السورية، في إشارة مباشرة إلى قسد، معتبراً أن الملف لم يعد شأناً محلياً بل قضية أمن قومي إقليمي. هذه التصريحات عكست أن واشنطن وأنقرة معاً تبحثان عن مخرج آمن من التحالف المعقّد مع قسد، وأن الخيارات أمام الأخيرة باتت محصورة بين الاندماج في هيكل الدولة السورية أو مواجهة عملية عسكرية، وكل ذلك بضوء أخضر أميركي ضمني قبل نهاية العام.
وسقطت جدران العزلة فعلياً أمام البيت الأبيض، حيث ارتفعت الأعلام السورية والأميركية جنباً إلى جنب، في مشهد رمزي عبّر عن لحظة تاريخية يتشاركها الشعبان. كان ذلك إعلاناً جماعياً بأن صفحة جديدة قد فُتحت، وأن سوريا تقف اليوم على أعتاب مستقبل مختلف، مستقبل قد ينهي سنوات العزلة ويفتح الباب أمام إعادة الإعمار والانخراط في النظام العالمي. وبينما يبقى مصير قانون قيصر معلقاً بيد الكونغرس، فإن الشرع استطاع أن يضع سوريا على طريق جديد، طريق يربطها مباشرة بالعاصمة الأميركية، ويمنحها فرصة لإعادة تعريف موقعها في الشرق الأوسط والعالم.
