زيارة تاريخية تفتح صفحة جديدة بين دمشق وواشنطن


 في خطوة غير مسبوقة، أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع مقابلة مطوّلة مع صحيفـة واشنطن بوست عقب لقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب وعدد من أعضاء الكونغرس، ليكشف عن ملامح توجه جديد في علاقة بلاده بالولايات المتحدة بعد قرن من القطيعة والتوتر.


رؤية تقوم على المصالح المشتركة


الشرع، الذي خاض في الماضي معارك ضد القوات الأميركية في العراق وسوريا قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية، طرح خلال حديثه رؤية تقوم على التعاون في ملفات الأمن والاستقرار ورفع العقوبات الاقتصادية، مؤكداً أن الهدف من زيارته هو بناء علاقة جديدة مع واشنطن تقوم على المصالح المشتركة لا على الصراع.


وأوضح أنه لمس استعداداً من إدارة ترامب لوضع أسس تعاون في الجوانب الأمنية والاقتصادية، مشدداً على أن استقرار سوريا شرط لاستقرار المنطقة بأكملها، وأن العقوبات المفروضة تعرقل جهود الإنعاش الاقتصادي وإعادة الإعمار. وكشف أن المفاوضات حول رفع العقوبات قطعت أشواطاً مهمة، وأن دمشق تنتظر القرار النهائي من واشنطن.


ملف المفقودين وأوستن تايس


من أبرز القضايا التي تناولها الشرع قضية الصحافي الأميركي أوستن تايس، المفقود منذ عام 2012. وأكد أن بلاده شكّلت لجنة خاصة بالتنسيق مع الجانب الأميركي للبحث عن جميع المفقودين الذين يقدَّر عددهم بنحو 250 ألف شخص. وأشار إلى أنه التقى والدة تايس وأبدى تضامنه معها، مستعيداً تجربة شخصية حين اختفى لسنوات وظن الجميع أنه قُتل، باستثناء والدته التي تمسكت بالأمل.


مواجهة الانتقادات في الكونغرس


وعن الانتقادات التي ترى أن رفع العقوبات عن رجل قاتل الأميركيين سابقاً يُعد مكافأة غير مستحقة، دافع الشرع عن تاريخه القتالي قائلاً إن الدفاع عن الأرض ليس عاراً، مؤكداً أنه لم يتسبب في مقتل أبرياء. وأضاف أن كثيراً من الأميركيين باتوا يعترفون بأن سياسات واشنطن في الشرق الأوسط كانت خاطئة وأدت إلى حروب عبثية، وأن هناك تحوّلاً في الداخل الأميركي نحو مراجعة تلك السياسات.


المرحلة الانتقالية في سوريا


وفي ما يتعلق بالوضع الداخلي، أقر الشرع بأن البلاد تمر بمرحلة انتقالية معقدة بعد عقود من الحكم الدكتاتوري وسنوات الحرب، مشبهاً ذلك بما واجهته الولايات المتحدة عقب الحرب الأهلية عام 1865. واتهم مجموعات داخلية بمحاولة استغلال المخاوف الطائفية لتحقيق أهداف سياسية أو انفصالية، لكنه شدد على أن سوريا حافظت على تنوعها الديني والعرقي عبر قرون طويلة، وأن الدولة تعمل على إعادة بناء المؤسسات والقانون.


الأمن ومحاربة الإرهاب


حمّل الشرع استمرار الانقسام الداخلي ووجود قوى مسلحة خارج سيطرة الدولة مسؤولية نشاط تنظيم الدولة الإسلامية في بعض المناطق الشرقية. ورغم ارتباط الوجود الأميركي بمحاربة التنظيم، أكد أن الجيش السوري قادر اليوم على تولي هذه المهمة، مقترحاً إشرافاً أميركياً مؤقتاً على دمج قوات سوريا الديمقراطية في أجهزة الأمن الرسمية.


مفاوضات مع إسرائيل


في تحول سياسي لافت، أعلن الشرع أن دمشق منخرطة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، متهماً إياها بخرق اتفاق فك الاشتباك الموقع عام 1974 وتنفيذ أكثر من ألف غارة داخل سوريا منذ ديسمبر الماضي، بينها استهداف مواقع سيادية. وأوضح أن سوريا لم ترد عسكرياً لأنها تركز على إعادة البناء، لكنه شدد على أن أي اتفاق نهائي يتطلب انسحاباً إسرائيلياً إلى حدود ما قبل الثامن من ديسمبر، رافضاً فكرة إنشاء منطقة منزوعة السلاح جنوبي دمشق.


العلاقة مع روسيا ومصير الأسد


أما عن العلاقة مع موسكو، فوصفها الشرع بأنها مزيج من البراغماتية والحذر، مشيراً إلى أن وجود الرئيس المخلوع بشار الأسد في روسيا يثير انزعاجها، وأن الحكومة السورية ستواصل المطالبة بتقديمه للعدالة في الوقت المناسب. وأكد أن سوريا بحاجة إلى روسيا كعضو دائم في مجلس الأمن، وأنها لا ترغب في دفعها إلى خيارات بديلة في التعامل مع دمشق.


ختاماً


اختتم الشرع حديثه بالتأكيد على أن بلاده تسعى إلى إعادة إدماج نفسها في المنظومة الدولية عبر بناء علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، مع التركيز على الأمن والاستقرار ورفع العقوبات، معتبراً أن هذه الخطوات هي المدخل الحقيقي لإعادة إعمار سوريا وفتح صفحة جديدة في تاريخها السياسي.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال