تشهد الساحة السورية حراكًا متسارعًا حول مستقبل قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، في ظل ضغوط أميركية متزايدة وتصريحات متلاحقة من دمشق تؤكد أن الملف لم يعد مجرد ورقة تفاوضية، بل أصبح جزءًا من معركة إعادة بناء الدولة ووحدة البلاد.
وخلال اللقاء التاريخي بين الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، كان ملف قسد حاضرًا بقوة إلى جانب العقوبات والعلاقات الإقليمية. الشرع طرح رؤية لدمج قسد ضمن مؤسسات الدولة تحت إشراف أميركي مؤقت، فيما شدد ترامب على أن نجاح هذه العملية يمثل مدخلًا لإعادة بناء الثقة بين دمشق وواشنطن. هذا المحور أصبح لاحقًا أساسًا لتصريحات المبعوث الأميركي توم باراك، الذي أكد أن المرحلة المقبلة تتطلب إلغاء قانون قيصر وربط ذلك بدمج قسد في البنية الاقتصادية والدفاعية والمدنية السورية.
في المقابل، "الإدارة الذاتية" أعلنت أنها ستكون قريبًا في دمشق، مؤكدة أن اتفاق 10 آذار لا رجعة عنه، وأن الدمج لا يقتصر على الجانب العسكري بل يشمل المؤسسات المدنية والخدمية والسياسية.
بدران جيا كرد أوضح أن المباحثات مع دمشق تسير بشكل إيجابي رغم التدخل التركي، محذرًا من أن أي إصرار على المركزية سيؤدي إلى انسداد المفاوضات، ومشدّدًا على رفض مشاركة العناصر الأجنبية في بناء الجيش الوطني.
أما على مستوى قيادة قسد، فقد كشف القيادي سيبان حمو في مقابلة مع موقع «المونيتور» أن المفاوضات مع دمشق تمر بـ"فترة شديدة الحساسية"، مع غياب خطوات جدية لتحقيق تقدم ملموس. حمو شدد على أن الاندماج ضمن الدولة السورية هو "خيار استراتيجي" بالنسبة لقسد، نافياً وجود أي أجندة انفصالية أو سعي لإقامة دولة مستقلة. لكنه أوضح أن جوهر الخلاف يكمن في اختلاف المفاهيم، إذ ترى دمشق الاندماج تخليًا عن الهوية، بينما تعتبره قسد عملية ديمقراطية للحفاظ على الإرادة والوجود. وأكد أن التقدم في هذه العملية مرتبط بمدى "ديمقراطية دمشق"، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تبقى الطرف الأساسي في عملية التفاوض، مع استمرار استعداد قسد ميدانيًا لاحتمال مواجهة عسكرية جديدة.
من جانبها، دمشق أرسلت إشارات متباينة بين الحسم الأمني والانفتاح السياسي. ففي اجتماع موسع ضم وزيري الداخلية والدفاع، أكد الوزير أنس خطاب أن المعابر في دير الزور ستُلغى قريبًا، وأن اجتماعات عملية لدمج القوات الأمنية والعسكرية لقسد ستبدأ خلال أيام، مشددًا على أن الهدف هو وحدة البلاد لا حلول مؤقتة. أما وزير الخارجية أسعد الشيباني فقد تبنى لهجة أكثر دبلوماسية، قائلاً إن التفاهم هو الطريق الوحيد لتحقيق تقدم في المحادثات مع قسد، لكنه شدد على أن أي اتفاق يجب أن يحافظ على وحدة الدولة ويرفض اللامركزية، معترفًا في الوقت نفسه بعدم وجود تقدم عملي في المفاوضات مع مظلوم عبدي.
هذا التباين بين خطاب الحسم الأمني وخطاب التفاهم السياسي يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا. فبينما تضغط واشنطن لتسريع الدمج وربطه برفع العقوبات، تتمسك الإدارة الذاتية بضمانات سياسية ولا مركزية، فيما تضع دمشق خطوطًا حمراء واضحة ضد أي صيغة قد تؤدي إلى التقسيم. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى ملف قسد اختبارًا حقيقيًا لشكل الدولة السورية المقبلة: هل ستكون دولة مركزية موحدة كما تريد دمشق، أم دولة بلامركزية كما تطالب الإدارة الذاتية، أم صيغة وسطية تفرضها الضغوط الدولية؟
