قسد ودمشق بين ضغوط إقليمية ودولية: الملف المعلّق على حافة الانفجار


في لحظة تاريخية فارقة، يقف ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عند تقاطع معقّد بين ضغوط الداخل وتشابكات الخارج، فيما تتسابق الأطراف الإقليمية والدولية لرسم مستقبل الجزيرة السورية. موقع المونيتور كشف أن محادثات تركيا مع حزب العمال الكردستاني تعثرت بسبب رفض قسد الاستسلام للضغوط السورية والأميركية لتسليم الريف الشرقي لدير الزور، وهو ما يعكس مأزقًا أعمق يتمثل في مشروع قسد الذي يرفع شعار "الإدارة الذاتية" بينما يترجم عمليًا إلى نزعة انفصالية تضع الأكراد السوريين في مواجهة مع هويتهم الوطنية الجامعة. وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أكد أن لا تقدّم عمليًا في الاتفاق مع مظلوم عبدي، مشددًا على أن التكامل يجب أن يقوم على الحوار والتفاهم لا على مشاريع تقسيم أو لامركزية، مضيفًا أن سورية لن تعرف أي شكل من الحكم الطائفي وأنها يجب أن تتحول إلى نموذج للمنطقة والعالم. 


قسد تطرح نفسها كإطار تعددي، لكنها عمليًا تسعى إلى نظام كونفدرالي لم يعد معمولًا به حتى في سويسرا التي تُعرف تقليديًا بالكونفدرالية. الفيدرالية الحقيقية لا تُبنى على أسس عرقية أو طائفية، ولا تسمح بوجود قوة عسكرية منفصلة عن الجيش الوطني، ومع ذلك تصر قسد على تصوير مناطقها بأنها "كردية صرفة"، متجاهلة الواقع السكاني والتاريخي، ومستخدمة شعارات زائفة تمهّد لتقسيم محتمل في المستقبل. هذا التوجه أثار غضبًا واسعًا داخل الشارع الكردي الذي يرى أن سلوكيات قسد في الخطف والتجنيد والتجويع والتهجير جعلت منها عبئًا على الأكراد أكثر مما هي مشروع قومي، فيما تصاعد الاستياء داخل صفوفها بعد تصريحات مظلوم عبدي التي وصف فيها الرئيس الشرع بـ"السيد الرئيس"، في خطوة اعتُبرت تراجعًا دبلوماسيًا وقبولًا ضمنيًا بالاندماج وفق شروط الدولة السورية، وهو ما فجّر خلافًا مع الجناح المرتبط بـPKK حيث هدّد جميل بايك بتمرد عسكري إذا مضت قسد في الدمج. 

وفي ظل هذا الانقسام الداخلي، أشار ناشطون إلى أن قسد بدأت بنقل كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمواد الغذائية إلى شبكة الأنفاق والتحصينات العسكرية في مختلف مناطق سيطرتها في الجزيرة السورية، في خطوة تعكس حالة استنفار قصوى داخل صفوفها. وبحسب المصادر، عملت قسد على تخزين العتاد والمواد الأساسية داخل الأنفاق تحسباً لأي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تسليح أعداد كبيرة من المدنيين الأكراد في المدن والبلدات الرئيسية، خاصة في الحسكة والقامشلي وعين العرب والرقة وريف دير الزور. وأضافت المصادر أن قيادة قسد أصدرت أوامر عاجلة بتجهيز مجموعات قتالية رديفة من المدنيين وزجهم في خطوط الإسناد الخلفية، وسط مخاوف متصاعدة من هجوم وشيك قد يستهدف مواقعها. وتشهد المنطقة حالة توتر أمني غير مسبوق وتحركات مكثفة للدوريات العسكرية والانتشار في الشوارع، إلى جانب تشديد الإجراءات على الحواجز ومنع حركة المدنيين في بعض المناطق، في مشهد يوحي بأن المنطقة مقبلة على تحولات كبيرة قد تقلب موازين السيطرة في ظل غياب أي بوادر للتهدئة وتصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على قسد. 

المنطقة الشرقية، الغنية بالنفط والغاز والزراعة، تعيش حالة شلل اقتصادي بسبب غياب الاستقرار السياسي، فيما يرى خبراء أن أي مشروع انفصالي سيعني حرمان سورية من مواردها الأساسية ويحوّل الجزيرة إلى ساحة صراع دائم بدل أن تكون رافعة للتنمية. العشائر العربية، التي تشكّل الغالبية في الحسكة ودير الزور والرقة، باتت اللاعب الأهم في المعادلة، وقد وصفها الكاتب الكردي السوري علي تمي بأنها "الصمام الحقيقي لوحدة البلاد"، مؤكداً أن واشنطن فهمت الرسالة حين تحركت هذه القوى الشعبية، وأن الشرع بات الضمانة الوحيدة لمنع اندلاع حرب أهلية، وأن خيار شرق الفرات لا ثالث له: إما الاندماج أو الحرب. 

في البعد الدولي، وزارة الخارجية الأميركية صنّفت أربع تنظيمات مرتبطة بحركة "أنتيفا" كمنظمات إرهابية شارك أفرادها بالقتال ضمن صفوف قسد، وهو ما أضاف عبئًا جديدًا على الحركة التي فقدت تدريجيًا ورقة الدعم الأميركي. ومع ازدياد التفاهمات بين تركيا وأميركا وسورية، تضيق الخناق على قسد وتفتح الباب أمام شرعنة أي عملية عسكرية إذا تمسكت بمشروعها الانفصالي. وفي هذا السياق، شدّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على أن أنقرة تركز مع الأميركيين على إزالة إسرائيل من كونها تهديدًا لسورية وضمان ألا تكون سورية تهديدًا لإسرائيل، مؤكداً أن جزءًا من الأراضي السورية ما زال تحت الاحتلال ويجب إنهاء هذا الوضع من دون تبني أي مقاربة تهدد باقي الأراضي السورية. فيدان أوضح أن هناك مسارًا بين قسد ودمشق، ومسارات أخرى بين تركيا وأميركا، ولقاءات منفصلة، وأن العمل جارٍ على أن تلتقي هذه المسارات في نقطة مشتركة، محذرًا من استغلال بعض الأطراف للمرحلة الانتقالية لتعطيل التفاهمات أو إشعال اشتباكات جديدة مرتبطة بقسد أو بمكونات أخرى.
وأضاف أن مسارات المفاوضات بين دمشق وقسد مهمة جدًا، لكنها توقفت لبعض الوقت خاصة بعد تدخل إسرائيل في الجنوب وبعض التطورات الإقليمية، مشددًا على أن معالجة ملف قسد ضمن عملية سياسية شاملة ستسهم في تعزيز الاستقرار في سورية والمنطقة. 

التاريخ يعيد نفسه هنا؛ فكما استنزفت المعارضة السورية عقدًا من الزمن في مسلسلات جنيف بلا نتائج، تكرر قسد اللعبة نفسها بالكرّ والفرّ والرهان على القوات الأجنبية، لكن هذه الرهانات لا تدوم، والنهاية غالبًا تكون الانهيار أو الاندماج. المشهد الراهن يكشف أن قسد أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاندماج تحت كنف الدولة السورية بما يضمن لها البقاء ضمن إطار وطني جامع، أو مواجهة خطر الانهيار الكامل سواء عبر ضغط داخلي من العشائر والشعب أو عبر توافق إقليمي ودولي يشرّع استهدافها. وبين هذه الأطراف يبقى مستقبل الجزيرة السورية معلّقًا بين خيار الحوار وخطر الانفجار، فيما الزمن يضغط والدماء تلوح في الأفق إذا لم تُحسم اللعبة سريعًا. 

وكأن الجزيرة السورية اليوم رقعة شطرنج كبرى، تتحرك عليها بيادق محلية وجنود إقليميون، فيما اللاعبون الدوليون يترقبون اللحظة المناسبة لإسقاط الملك أو إعلان نهاية اللعبة. وفي هذه الرقعة، لا مكان للحياد: إمّا أن تختار قسد طريق الاندماج، أو أن تتحول إلى قطعة مفقودة في لعبة أكبر منها بكثير.
أحدث أقدم

نموذج الاتصال