لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى العاصمة الصينية مجرد محطة بروتوكولية، بل بدت أقرب إلى إعلان مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين. ففي قصر الضيافة ببكين، جلس الشيباني إلى جانب نظيره الصيني وانغ يي، ليؤكد الطرفان أن الصداقة التاريخية بين الشعبين تتحول اليوم إلى شراكة عملية تتجاوز المجاملات الدبلوماسية نحو ملفات إعادة الإعمار والتعاون الأمني والاقتصادي.
وخلال المباحثات، شدد الشيباني على أن الزيارة تمثل خطوة مهمة لدفع مسار الشراكة السورية الصينية، مشيراً إلى أن المحادثات فتحت أبواباً واسعة لدعم جهود إعادة الإعمار وتحسين الظروف المعيشية للشعب السوري. وفي بيان مشترك صدر عقب اللقاء، أكد الجانبان على عمق علاقات الصداقة التاريخية، وعلى مبدأ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مع الالتزام بمواصلة التنسيق في المنظمات والمحافل الدولية.
البيان أشار إلى اتفاق الطرفين على تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي، وتوسيع مجالات التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب بمختلف أشكاله، إضافة إلى التعاون في محاربة المخدرات وتعزيز سيادة القانون. كما أكد الجانب الصيني احترامه الكامل لسيادة سوريا ووحدتها الوطنية، معتبراً الحكومة السورية الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري، ومشدداً على أن هضبة الجولان أرض سورية محتلة باعتراف المجتمع الدولي.
من جانبه، تعهد الوزير السوري بأن بلاده لن تكون مصدر تهديد للصين، ولن تسمح باستخدام أراضيها بما يضر بأمن ومصالح بكين. أما الخارجية الصينية فأكدت استعدادها للمساهمة في أمن واستقرار سوريا، مشيرة إلى أن تطوير العلاقات يتطلب إزالة العقبات الأمنية واستئناف التبادلات تدريجياً على جميع المستويات.
وفي سياق متصل، نفت وزارة الخارجية السورية صحة ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية بشأن اعتزام دمشق تسليم مقاتلين من الإيغور إلى الصين، مؤكدة أن هذه المعلومات لا أساس لها من الصحة. وكانت الوكالة قد نقلت عن مصدر حكومي أن دمشق تخطط لتسليم نحو 400 مقاتل على دفعات، وهو ما نفته الخارجية السورية بشكل قاطع. ووفق تقديرات الوكالة، يتراوح عدد المقاتلين الإيغور في سوريا بين 3200 و4000، معظمهم في إدلب، وينتمون إلى الحزب الإسلامي التركستاني الذي قاتل إلى جانب المعارضة السورية ضد النظام.
زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى العاصمة الصينية لم تكن حدثاً معزولاً، بل جاءت في سياق سلسلة من التحركات الدبلوماسية التي تشير إلى أن دمشق بدأت مرحلة جديدة في علاقاتها الدولية.
لكن هذه الزيارة إلى بكين لم تكن الوحيدة التي أثارت الانتباه في الآونة الأخيرة. ففي لندن، شهدت العاصمة البريطانية قبل أيام رفع العلم السوري بمناسبة افتتاح السفارة السوري، وهو مشهد اعتبره مراقبون إشارة إلى عودة الحضور السوري إلى الساحة الدبلوماسية الغربية بعد سنوات من القطيعة.
وفي هذا السياق برزت الزيارة الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة ولقاؤه بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي شكّلت محطة لافتة في مسار العلاقات السورية – الأميركية، وأظهرت استعداد واشنطن للانخراط المباشر مع دمشق في ملفات إقليمية حساسة.
هذه المحطات الثلاث – بكين، لندن، واشنطن – ترسم صورة أوسع لدبلوماسية سورية تحاول أن تخرج من عزلتها، وتعيد بناء شبكة علاقاتها الدولية على أسس جديدة، تجمع بين البحث عن شركاء اقتصاديين كبار مثل الصين، واستعادة رمزية الحضور في أوروبا، والتذكير بالانفتاح مع الولايات المتحدة.
كل هذه التطورات مجتمعة توحي بأن الدولة السورية تسعى إلى إعادة التموضع على الساحة الدولية، عبر فتح قنوات مع قوى كبرى واستعادة رمزية الحضور في الغرب، وهو بداية تحول استراتيجي يعيد سوريا إلى قلب التوازنات الدولية.
