تشهد الساحة السورية في المرحلة الراهنة تداخلًا معقدًا بين التصريحات السياسية والمفاوضات الجارية والاشتباكات الميدانية، حيث تتقاطع مواقف قوات سوريا الديمقراطية مع الحكومة السورية ومع الموقف التركي والأميركي في آن واحد. القيادية في مجلس سوريا الديمقراطية إلهام أحمد أكدت أن المرحلة الراهنة تشهد مباحثات حساسة مع دمشق بالتوازي مع تطورات جديدة في العلاقات السورية–الأميركية التي تدخل طورًا مختلفًا يحمل مؤشرات على تغيّر ملموس في التعاطي السياسي، مشددة على أن وحدات حماية المرأة ستتمتع بخصوصية تامة ضمن الجيش السوري في أي صيغة مستقبلية، وأن مشروع الإدارة الذاتية يجب أن ينتشر في عموم سوريا باعتباره نموذجًا ديمقراطيًا ناجحًا، فيما انتقدت الإعلام التابع لحكومة دمشق الذي يسعى – بحسب وصفها – إلى تشويه صورة مناطق الإدارة الذاتية وإثارة الفتن بين المكونات، مؤكدة أن النقاشات مستمرة حول ملف التعليم وعودة المهجرين وأن سوريا بحاجة ملحّة إلى اللامركزية كطريق للاستقرار والحل السياسي.
من جانبه، قال قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي إن قواته لا تشكل تهديدًا لأحد وإن إدارتها تعمل تحت مظلة الدولة السورية، موضحًا أن اتفاق 10 آذار الموقع مع الحكومة السورية وضع حدًا لخطاب الكراهية والانتقام وأوقف مسار الحرب، وأنه يأمل إنهاء تنفيذ جميع بنوده قبل نهاية العام، معتبرًا أن الطريق الأفضل للوصول إلى السلام هو الحوار وأن التوصل إلى حوار وطني شامل يمكن أن يعالج المشكلات القائمة في سوريا. عبدي كشف عن دراسة سبل دمج قواته ضمن الجيش السوري بما يعزز قدرات الدولة بخبراتهم في مواجهة تنظيم الدولة، وأكد أن الاتفاق الذي وقعه مع الرئيس أحمد الشرع ركز على احترام الأكراد وجميع مكونات المجتمع السوري، وأن قادة وعناصر قسد سيحصلون على مناصب جيدة في وزارة الدفاع وقيادة الجيش، فيما ستندمج الشرطة شمال شرق سوريا بأجهزة الأمن الوطنية، كما دعا المجتمع الدولي إلى دعم سوريا ومنحها فرصة لإعادة الإعمار والتنمية.
لكن هذه الطموحات اصطدمت بواقع ميداني معقد، إذ أوضح مصدر عسكري سوري أن ما جرى حتى الآن لا يتعدى تفاهمًا مبدئيًا على تشكيل لجان لتقييم أعداد المقاتلين وتسليحهم وأن الانضمام سيكون مقتصرًا على العناصر السوريين فقط، وأن الموارد النفطية ستؤول بالكامل للدولة. في المقابل، بيّن مصدر خاص من قسد أن الاتفاق تضمّن تسليم الدولة السيطرة الكاملة على المعابر وحقول النفط والدوائر المدنية عبر موظفين حكوميين، وأن الدولة ستحصل على 80% من عائدات النفط مقابل 20% لقسد لدعم المناطق الشرقية، كما سيُحل مجلس سوريا الديمقراطية ليعاد تشكيله كحزب سياسي يمثل أبناء شرق سوريا، مع ترتيبات خاصة في القامشلي وريفها ذي الغالبية الكردية.
وفي السياق الإقليمي، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده لا تطمع في أرض أحد ولا تحمل عداءً لأي طرف، مشددًا على أن تركيا رحبت بملايين السوريين الفارين من المذابح بصبر رغم الاستفزازات، وأنهم يقيمون اليوم كضيوف في تركيا، معتبرًا أن دعم هؤلاء اللاجئين بروح الأنصار شرف لبلاده، وأن عودتهم إلى وطنهم ستجعلهم يدعون لتركيا بالخير، مضيفًا أن أمن سوريا مرتبط مباشرة بأمن تركيا كما هو الحال مع فلسطين والسودان والعراق وأذربيجان.
ورغم أن عبدي لمح إلى وجود مرونة تركية تجاه اندماج قواته في الجيش السوري فإن خبراء بالشأن التركي يرون أن أنقرة تنظر إلى الملف من زاوية الأمن القومي وأن قبولها مشروط بعدم منح قسد استقلالية، وهو ما يتماشى مع مصالحها في الحفاظ على استقرار الحدود.
ويرى مراقبون أن العقبات الكبرى أمام الدمج تكمن في الفوارق الأيديولوجية والعقيدة العسكرية بين الجيش السوري وقسد إضافة إلى الخلافات الداخلية بين جناح عبدي وقيادة قنديل، ومع ذلك يبقى اتفاق 10 آذار محورًا أساسيًا في أي تسوية سياسية أو عسكرية مقبلة خاصة بعد زيارة الرئيس الشرع إلى نيويورك ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي ساهمت في تسريع الضغوط الدولية على الطرفين لتنفيذ الاتفاق بشكل عاجل، لكن استمرار التأخير والمماطلة قد يدفع دمشق للتعاون مع أنقرة لإيجاد مسار بديل وربما العودة إلى الخيار العسكري إذا فشلت محاولات الحوار، ليبقى المشهد السوري مفتوحًا على احتمالات متناقضة بين التسوية السياسية والاندماج العسكري من جهة، والتصعيد الميداني وتكرار سيناريوهات سابقة من جهة أخرى.
