اندلعت فجر الخميس اشتباكات عنيفة في ريف الرقة الشرقي بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، بعد هجوم شنته الأخيرة على نقاط انتشار الجيش في منطقة معدان. وزارة الدفاع السورية أعلنت مقتل جنديين وإصابة آخرين، مؤكدة أن قواتها نفذت هجوماً معاكساً استعادت خلاله السيطرة على المواقع، فيما قصفت المدفعية مواقع قسد في البادية الشرقية للرقة وسط أنباء عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين دون إعلان حصيلة رسمية. هذه المواجهات ليست الأولى، إذ سبق أن استهدفت قسد في تشرين الأول الماضي نقطة للجيش قرب سد تشرين شرقي حلب بصاروخ موجه أدى إلى مقتل جنديين وإصابة ثالث بجروح خطرة، ما يعكس استمرار التوتر رغم الاتفاق الموقع في آذار بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي.
الاتفاق الذي وُصف حينها بالتاريخي نص على وقف شامل لإطلاق النار ودمج مؤسسات قسد المدنية والعسكرية ضمن الدولة السورية بما فيها المعابر والمطارات وحقول النفط، وضمان حقوق جميع السوريين في المشاركة السياسية والاعتراف بالمجتمع الكردي مكوّناً أصيلاً في البلاد، إضافة إلى تأمين عودة المهجّرين ورفض أي محاولات للتقسيم. لكن الاشتباكات الأخيرة ألقت بظلال ثقيلة على هذا الاتفاق، في وقت يؤكد فيه مظلوم عبدي أن المفاوضات مع دمشق تسير ببطء لكن بثبات، مع إمكانية تحقيق تقدم قبل نهاية العام.
وخلال مشاركته في مؤتمر بمدينة دهوك بإقليم كردستان العراق، شدد عبدي على أن اتفاقية العاشر من آذار حالت دون اندلاع حرب جديدة، مشيراً إلى ضرورة أن تؤدي دول الجوار دوراً إيجابياً في تطبيقها. وأوضح أنه يأمل إنهاء تنفيذ جميع بنود الاتفاق قبل نهاية العام، معتبراً أن الطريق الأفضل للوصول إلى السلام هو الحوار الوطني الشامل الذي يعالج المشكلات القائمة في سوريا. كما وصف الاتفاق الذي وقّعه مع الرئيس أحمد الشرع بالمفيد، لكونه ركز على احترام الأكراد وجميع مكونات المجتمع السوري، وكشف عن بحث آليات دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن القوات العسكرية السورية. وأكد أن قسد لا تشكل تهديداً لأحد وأن إدارتها تعمل تحت مظلة الدولة السورية، وأن اللامركزية هي الحل الأمثل لجميع السوريين ولن يكون هناك عودة إلى المركزية كما كانت في عهد البعث، مضيفاً أن قواته لم تعتمد يوماً على أحد بل تحمي نفسها بإرادتها، داعياً جميع الأكراد إلى المشاركة الفاعلة في إعادة إعمار سوريا.
وفي المنتدى نفسه، أوضحت إلهام أحمد الرئيسة المشتركة للعلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا أن المباحثات مع دمشق حساسة وتتزامن مع تغيّر في العلاقات السورية–الأمريكية، مؤكدة خصوصية وحدات حماية المرأة ضمن أي صيغة مستقبلية للجيش السوري، وداعية إلى انتشار مشروع الإدارة الذاتية كخيار ديمقراطي ناجح. وشددت على ضرورة اللامركزية للحل السياسي، وكشفت عن توافق أولي لانضمام قسد إلى الجيش السوري مع استمرار النقاش حول التعليم وعودة المهجرين، مشيرة إلى أن شركات أمريكية خاصة ستبدأ العمل قريباً في المنطقة.
في المقابل، صعّد مدير المركز الإعلامي لقسد فرهاد شامي من لهجته متهماً الحكومة السورية بالتعاون مع عناصر تنظيم داعش في الهجمات ضد قواته بريف الرقة، مشيراً إلى استخدام مسيرات انتحارية في المواجهات الأخيرة، ومؤكداً أن قسد قدمت أدلة للاستخبارات الدولية حول وجود عناصر من التنظيم في نقاط الجيش، ومتهماً دمشق بالتغطية الإعلامية على هذه التحركات.
وفي ضوء هذه التطورات، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما يظهر في البيانات الرسمية. فالهجوم الأخير يعكس انتقال قسد إلى مرحلة أكثر خطورة من المواجهة، في وقت تتغير فيه موازين القوى الدولية مع بدء تقارب سوري–أمريكي وتراجع الحاجة إلى الدور الذي لعبته قسد سابقاً كأداة ظرفية بيد واشنطن.
ومع عودة الزخم الدولي إلى دمشق، شعرت قسد أن موقعها يتآكل، فلجأت إلى التصعيد العسكري والإعلامي كمحاولة لإعادة خلط الأوراق وجرّ الدولة السورية نحو مواجهة مفتوحة تستنزف قدراتها وتؤثر على صورتها أمام المجتمع الدولي. لكن القيادة السورية تدرك هذه المخططات وتتعامل معها بحذر، فيما يبقى الرهان الأساسي لقسد هو إعادة إحياء صورة الحرب الأهلية بما يوقف موجة الدعم الدولي لسوريا ويمنحها فرصة للبقاء عبر استمرار حالة عدم الاستقرار. وهكذا يتضح أن الأزمة لم تعد مجرد اشتباكات ميدانية، بل جزء من معركة سياسية أعمق على مستقبل سوريا ومكانة الدولة في الإقليم.
وبينما تتحدث قيادات قسد عن فرص السلام والاندماج في مؤسسات الدولة، تكشف التطورات الميدانية هشاشة التفاهمات وتضع اتفاق آذار أمام اختبار صعب، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى استقرار سياسي وأمني يمهّد لإعادة الإعمار وعودة المهجّرين.
