دمشق تستنفر دبلوماسياً.. والاحتلال يجرّ أذيال الخسارة بعد معركة بيت جن


شهدت بلدة بيت جن بريف دمشق الغربي فجر الجمعة واحدة من أعنف التوغلات الإسرائيلية منذ سنوات، بعدما نفذت قوات من لواء الاحتياط بقيادة الفرقة 210 عملية عسكرية أطلقت عليها اسم "سهم باشان"، بزعم اعتقال مطلوبين من جماعة تصفها إسرائيل بـ"الإسلامية". غير أن العملية تحولت سريعاً إلى اشتباكات عنيفة داخل الأحياء السكنية بعد أن تصدى الأهالي للقوة المتوغلة، ما أسفر عن مقتل ثلاثة عشر شخصاً بينهم نساء وأطفال، وإصابة آخرين، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي إصابة ستة من جنوده بينهم ثلاثة في حالة خطيرة، واضطر إلى ترك آلية عسكرية معطوبة قبل أن يقصفها سلاح الجو لاحقاً. أعقب ذلك قصف مدفعي وجوي على أطراف البلدة، وسط حالة من الهدوء الحذر بعد انسحاب القوات.


دمشق اعتبرت ما جرى "جريمة حرب مكتملة الأركان"، إذ شدد وزير الخارجية أسعد الشيباني على أن الاعتداءات الإسرائيلية تمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة السورية والقانون الدولي وتهدد السلم والأمن الإقليميين، داعياً الأمم المتحدة والجامعة العربية إلى اتخاذ موقف حازم لوقف هذه الانتهاكات. وزير الإعلام حمزة المصطفى وصف التوغلات بأنها "مستفزة"، مؤكداً أن سوريا لن تنجر إلى ما تريده إسرائيل من خلال هذه العمليات، فيما زار محافظ ريف دمشق عامر الشيخ البلدة ليؤكد وقوف الدولة إلى جانب الأهالي وطمأنتهم. وفي السياق ذاته، دانت نائبة المبعوث الأممي إلى سوريا نجاة رشدي التوغل الإسرائيلي واعتبرته انتهاكاً جسيماً وغير مقبول لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، مطالبة بالالتزام باتفاق فصل القوات لعام 1974.


على المستوى الدبلوماسي، جدد السفير السوري لدى الأمم المتحدة إبراهيم العلبي تأكيد بلاده أن الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة تمثل تجاوزاً خطيراً لا يمكن للمجتمع الدولي تجاهله، مشيراً إلى أن دمشق تبذل جهوداً واسعة لعزل إسرائيل دولياً عبر تحركات منظمة مع عواصم كبرى مثل موسكو وواشنطن وبكين ولندن وباريس، وأنها ستعمم رسالة رسمية على أعضاء مجلس الأمن لتوثيق الاعتداء وشرح تبعاته القانونية والسياسية. العلبي أوضح أن بعض الأطراف داخل حكومة نتنياهو تختلق ذرائع أمنية لإعاقة أي مسار تفاهم، بينما تعتمد سوريا ما وصفه بـ"الصبر الإستراتيجي" والتمسك باتفاقية فض الاشتباك، لتفويت الفرصة على الأطراف المتشددة داخل إسرائيل التي تبحث عن ذرائع للتصعيد.


في المقابل، وصف الخبير العسكري حاتم كريم الفلاحي العملية الإسرائيلية في بيت جن بالفاشلة من الناحية العسكرية والاستخباراتية نتيجة الخسائر التي تكبدتها القوات وإجبارها على الانسحاب، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي حاول جس نبض المنطقة لكنه فوجئ بمقاومة داخلية أربكت خططه وأظهرت خللاً في التخطيط والتنظيم. القناة 12 الإسرائيلية كشفت أن الاستعدادات لاقتحام البلدة استغرقت أسابيع، لكن الطيران لم يتمكن من التدخل بسبب قرب الجنود من المسلحين.


ويرى محللون أن التصعيد الإسرائيلي في سوريا يدخل ضمن إستراتيجية أوسع تشمل غزة والضفة الغربية ولبنان، تهدف إلى تأكيد أن إسرائيل لن تنسحب من هذه الساحات بذريعة "التهديد الأمني". الباحث لقاء مكي اعتبر أن إسرائيل تتعامل بنفس السياسة في جميع الجبهات متجاهلة القوانين الدولية ووقف إطلاق النار، فيما أوضح الأكاديمي مهند مصطفى أن الهجوم رسالة لدمشق بأن إسرائيل غير مستعجلة لتوقيع اتفاق أمني معها، وأن المقاومة الشعبية في بيت جن تضعها أمام معضلة كبيرة. أما الباحث حسن الدغيم فربط الهجوم بذكرى عملية "ردع العدوان" التي أطاحت بالنظام السابق، مؤكداً أن الهدف هو خلق الفوضى والفتنة.


هكذا، لم يكن الهجوم على بيت جن مجرد عملية عسكرية محدودة، بل محطة تكشف تداخل الميدان العسكري مع الموقف الدبلوماسي والتحليل الإستراتيجي. سوريا تحاول أن تُظهر ضبط النفس والتمسك بالقانون الدولي، فيما تسعى إسرائيل إلى فرض واقع جديد على الحدود بذريعة الأمن، وبين هذا وذاك يظل الأهالي في بيت جن رمزاً للمقاومة الشعبية التي أربكت حسابات الاحتلال وأعادت القضية السورية إلى واجهة الاهتمام الدولي.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال