في وقتٍ كشفت فيه وكالة "رويترز" عن استعداد الولايات المتحدة لإنشاء وجود عسكري في قاعدة جوية قرب دمشق، خرج مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السورية لينفي صحة هذه المعلومات، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة تشهد تحولًا في الموقف الأميركي نحو التعامل المباشر مع الحكومة السورية المركزية، ودعم جهود توحيد البلاد ورفض أي دعوات للتقسيم.
هذا التباين بين الرواية الإعلامية والتصريح الرسمي يفتح الباب أمام قراءة أعمق لما يجري خلف الكواليس، خاصة في ظل الحديث عن اتفاق أمني محتمل بين سوريا وإسرائيل، تتوسط فيه واشنطن، ويُتوقع أن يشمل ترتيبات لوجستية وميدانية في الجنوب السوري.
ما الذي قالته رويترز؟
وفقًا لتقرير رويترز، فإن البنتاغون سرّع خلال الشهرين الماضيين مهام استطلاعية لقاعدة جوية قرب دمشق، وخلص إلى أن مدرجها الطويل جاهز للاستخدام الفوري. وذكرت الوكالة أن القاعدة ستُستخدم لأغراض لوجستية ومراقبة وإعادة التزود بالوقود، إضافة إلى عمليات إنسانية، ضمن اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل. كما أشارت إلى أن واشنطن تضغط لإنجاز الاتفاق قبل نهاية العام، وربما قبل زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن.
نفي رسمي ورسائل سياسية
في المقابل، جاء نفي الخارجية السورية حاسمًا، مؤكدًا أن لا صحة لما نُشر عن قواعد أميركية في سوريا، ومشيرًا إلى أن المرحلة الحالية تشهد تحولًا في الموقف الأميركي نحو التنسيق المباشر مع دمشق، ونقل التفاهمات التي كانت اضطرارية مع أجسام مؤقتة إلى الحكومة المركزية. هذا التصريح يحمل في طياته رسائل سياسية واضحة، أهمها:
- رفض أي صيغة للتقسيم أو المناطق المنزوعة السيادة.
- تأكيد على أن أي تعاون مع واشنطن سيكون تحت مظلة الدولة السورية، وليس عبر وكلاء أو كيانات مؤقتة.
- التمهيد لمرحلة جديدة من التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي، قائمة على "السيادة الوطنية والاحترام المتبادل".
تحليل المشهد: بين النفي والتأكيد
سواء صحّ تقرير رويترز أو لا، فإن المؤكد أن واشنطن تعيد النظر في طريقة تعاملها مع الملف السوري. بعد سنوات من دعم كيانات محلية مؤقتة، يبدو أن الإدارة الأميركية باتت ترى في دمشق شريكًا أكثر استقرارًا، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية وتراجع النفوذ الإيراني في بعض المناطق.
الحديث عن قاعدة جوية، حتى لو لم يُنفذ فعليًا، يعكس رغبة أميركية في التمركز قرب خطوط التماس الجنوبية، سواء لمراقبة تفاهمات أمنية مع إسرائيل أو لضمان عدم عودة الفوضى. أما دمشق، فهي تحاول استثمار هذا التحول لإعادة تثبيت شرعيتها الدولية، دون أن تقدم تنازلات تمس جوهر السيادة.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام بداية تطبيع أميركي-سوري تدريجي، أم مجرد مناورة إعلامية في سياق تفاوضي أكبر؟ وما مدى قدرة دمشق على الحفاظ على استقلال قرارها في ظل الضغوط الإقليمية والدولية؟.
