عام على التحرير: من سقوط الصنم إلى رفع العقوبات


قبل عام، ارتجت الأرض تحت وقع خطوات السوريين، حين سقط الصنم الأكبر وتهاوت أسطورة الجبروت التي ظنّت أنها خالدة. لم يكن ذلك مجرد حدث سياسي، بل انفجارًا في الروح، وانعتاقًا من قيد طويل، وهتافًا للحرية دوّى في الشوارع: "سقط هبل.. سقط هبل.. تحطمت آلهة البشر!". لحظة بدت كأنها استدعاء لمشهد فتح مكة، حين جاء الحق وزهق الباطل، لتتحول إلى ذاكرة جماعية ترفض النسيان.


لكن الذكرى الأولى لهذا التحول لم تمر بصوت واحد. على منصات التواصل الاجتماعي، تصدرت وسوم مثل عام على التحرير و سوريا تنتصر و سورياحرة، وسط سيل من التغريدات التي استعاد فيها السوريون لحظات التحرر باعتبارها "نهاية زمن الخوف". في المقابل، ارتفعت أصوات ناقدة ترى أن الاحتفال لا يغيّر من واقع ملايين المهجرين، وأن الطريق الأصعب يبدأ بعد سقوط النظام: إعادة الإعمار، عودة اللاجئين، كشف مصير المعتقلين، وبناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة.


في هذا السياق، جاء خطاب الرئيس أحمد الشرع ليؤكد أن "حقبة النظام البائد كانت صفحة سوداء في تاريخنا"، معلنًا قطيعة تاريخية مع الاستبداد، والتزامًا بالعدالة الانتقالية ومحاسبة من انتهك القانون. الشرع شدد على أن نهاية المعركة مع النظام السابق هي بداية لمعركة الجد والاجتهاد، مشيرًا إلى خطوات دمج القوى العسكرية في جيش موحد، وإلى تحركات دبلوماسية أعادت لسوريا موقعها كشريك موثوق في المنطقة والعالم.


الجانب الاقتصادي بدوره شكّل محورًا أساسيًا في العام الأول بعد التحرير. فقد أعلنت الحكومة عن حزمة إجراءات لرفع العقوبات الدولية وإعادة بناء البيئة الاستثمارية، ونجحت دمشق في العودة إلى نظام "سويفت" المالي العالمي، ما فتح الباب أمام تدفق السيولة الأجنبية. اتحاد غرف التجارة السورية تحدث عن "آفاق واسعة للاستثمار والتنمية"، فيما أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية أن الاقتصاد ينمو بوتيرة تفوق تقديرات البنك الدولي، مدفوعًا بعودة نحو 1.5 مليون لاجئ. ورغم هذه المؤشرات، تبقى التحديات كبيرة: غياب بيانات دقيقة عن الناتج المحلي والتضخم، استمرار عجز الميزان التجاري، وارتفاع الأسعار. الحكومة حاولت التخفيف عن المواطنين عبر خفض أسعار المشتقات النفطية بنسبة 25% ورفع الرواتب بنسبة 200%، فيما شهد قطاع الكهرباء تحسنًا ملحوظًا، إذ ارتفع متوسط التزويد من 4 ساعات يوميًا إلى 10 ساعات، بينما حصلت المدن الصناعية على تغذية كاملة أعادت للمصانع القدرة على العمل بنظام ورديات متواصلة.


الدعم الدولي كان حاضرًا بقوة في الذكرى الأولى. وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وأعضاء بارزون في الكونغرس جددوا دعمهم لسوريا وشعبها، مؤكدين أن "القوة والصمود الذي أظهره السوريون في مواجهة قمع الأسد قد خلقا الظروف لمستقبل أفضل". وأعربوا عن احترامهم لصمود الشعب السوري، وتعهدوا بالعمل من أجل "سوريا سلمية ومزدهرة، شاملة للأقليات، وتعيش في سلام مع جميع جيرانها".


لكن المفاجأة الكبرى جاءت من واشنطن: الكونغرس الأميركي يتجه لإلغاء عقوبات "قيصر"، التي شكّلت لسنوات عقبة أمام انتعاش الاقتصاد السوري. إدراج رفع العقوبات في قانون الدفاع الوطني اعتُبر بمثابة "هدية التحرير"، إذ يعني فتح الباب أمام استثمارات أوسع، وتخفيف القيود المالية، وإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي. الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن اعتزامه رفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا، مؤكّدًا أن هذه الخطوة دليل على نجاح الحكومة السورية الجديدة في بناء الثقة الدولية.


بين الرمزية والواقع


عام على التحرير، يقف السوريون بين زمنين: زمن سقوط الصنم وزمن إعادة البناء. الذكرى ليست مجرد احتفال، بل محطة للتقييم، ولطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الدولة، وضمانات العدالة، وإعادة توحيد المجتمع على أسس أكثر عدلًا ومساواة.  


إنها رحلة السوري نحو ذاته: من غبار الصنم المتفتت إلى وطن يستعيد كرامته، من هتاف الحرية في الشوارع إلى مشاريع الإعمار في المدن، ومن ذاكرة الألم إلى أفق الأمل. وما بين الرمزية والإصلاحات والدعم الدولي، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه الذكرى إلى مشروع وطني شامل، يليق بتضحيات شعب صمد وقال "لا"، فغيّر التاريخ.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال