القرار الأميركي
صوّت الكونغرس الأميركي لصالح مشروع "قانون تفويض الدفاع الوطني" (NDAA) للسنة المالية 2026، متضمناً بنداً يقضي بإلغاء "قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين" الذي فُرض في كانون الأول 2019 وأثقل الاقتصاد السوري لسنوات. القانون كان يهدف إلى الضغط على نظام الأسد البائد عبر عقوبات اقتصادية واسعة النطاق، لكنه تحول إلى عبء كبير على السوريين ومعيشتهم.
الإلغاء جاء شاملاً ونهائياً، دون أي بند للعودة التلقائية إليه، مع اشتراط تقارير دورية غير ملزمة من الإدارة الأميركية للكونغرس حول الوضع في سوريا. هذه التقارير تتضمن توصيات تتعلق بمحاربة الإرهاب، احترام حقوق الأقليات، مكافحة غسل الأموال والمخدرات، وملاحقة من ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
جهود إقليمية ودبلوماسية
جاء إلغاء القانون نتيجة جهود متضافرة من السعودية وتركيا وقطر، إلى جانب الدبلوماسية السورية والجالية السورية في الولايات المتحدة، وتقاطعت هذه الجهود مع رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منح سوريا فرصة للاستقرار والنهوض. لذلك وضع ثقله السياسي لبناء إجماع داخل الكونغرس، وسعى إلى أن يكون الإلغاء كاملاً وغير مشروط، بما يتيح للشركات الأميركية والدولية الاستثمار في سوريا دون مخاوف من إعادة فرض العقوبات.
الموقف السوري والاحتفالات الشعبية
رحبت دمشق بالقرار واعتبرته "إنجازاً تاريخياً"، فيما شهدت العاصمة دمشق وحمص واللاذقية وحماة احتفالات شعبية واسعة عبّرت عن ارتياح السوريين لرفع العقوبات وما يحمله من آمال بتحسن الأوضاع المعيشية وتوافر المواد الأساسية والمستلزمات الطبية، إضافة إلى تهيئة الظروف لمشاريع إعادة الإعمار.
الانعكاسات الاقتصادية
يرى خبراء أن إلغاء القانون يمثل عودة "العصب الاقتصادي" إلى سوريا، إذ يفتح المجال لاستثمارات خارجية كبرى، ويعيد ربط البنوك والشركات السورية بالنظام المالي العالمي عبر منصة "سويفت". كما يتوقعون انخفاض تكاليف الاستيراد، وزيادة التحويلات المالية، وفتح باب إعادة الإعمار أمام الشركات الأجنبية.
- ارتفعت قيمة الليرة السورية مقابل الدولار بنحو 6% مباشرة بعد التصويت، وسط توقعات بتحسن مستمر.
- الباحث ملهم جزماتي يرى أن الأثر النفسي سيكون أسرع من الأثر الاقتصادي الفعلي، لكنه قصير المدى.
- الخبير زكي محشي يتوقع زيادة المستوردات، منافسة أوسع، وانخفاض أسعار بعض السلع الاستهلاكية، إضافة إلى فرص عمل جديدة في القطاع المالي.
- الدكتور إبراهيم قوشجي يعتبر الإلغاء "لحظة فارقة في التاريخ الاقتصادي السوري"، ويرى أن مشاريع إعادة الإعمار ستوفر آلاف الوظائف وتطور الخدمات الأساسية.
رؤية المصرف المركزي
أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية أن إنهاء العمل بالقانون يمهد الطريق أمام دمج سوريا في النظام المصرفي العالمي، مشيراً إلى أن الحكومة وضعت خططاً لتطوير النظام المالي والمصرفي حتى عام 2030، تشمل مكافحة غسل الأموال، تعديل السياسة النقدية، وتعزيز الثقة عبر تشريعات جديدة. كما أشار إلى وعود من دول خليجية وتركيا بضخ استثمارات كبيرة فور رفع العقوبات.
الأبعاد الإنسانية والتحديات
أكثر من 90% من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، ونحو 12.9 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 3.1 ملايين في حالة شديدة. البطالة تتجاوز 50% في بعض المناطق، فيما يعتمد جزء كبير من السكان على الاقتصاد غير الرسمي. لذلك ينظر السوريون إلى الإلغاء كـ"بارقة أمل" لتحسين أوضاعهم المعيشية.
لكن التحديات كبيرة :
- الحاجة إلى قضاء مستقل وشفاف يطمئن المستثمرين.
- إصلاح شامل للإدارة المالية والقطاع المصرفي.
- تكلفة إعادة الإعمار المقدرة بـ345 مليار دولار وفق البنك الدولي.
- وجود مناطق خارج سيطرة الدولة في الجزيرة والسويداء.
- الاعتداءات الإسرائيلية التي تؤثر على الاستقرار والأمن الضروري لجذب الاستثمارات.
خلاصة
إلغاء قانون قيصر يفتح الباب أمام سوريا للعودة إلى النظام المالي العالمي، دخول الاستثمارات، وتدفق التحويلات المالية. الأهم أنه يمنح السوريين فرصة لتحسين معيشتهم بعد سنوات من العقوبات والحرمان، لكنه يضع أمام الحكومة مسؤولية إصلاح مؤسسات الدولة، تعزيز الشفافية، وتوفير بيئة قانونية واقتصادية جاذبة للاستثمار.
