سوريا بعد الأسد : عام على النصر والتحولات


دمشق – في الثامن من كانون الأول 2025، أحيا السوريون الذكرى الأولى لسقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد ودخول قوات "ردع العدوان" العاصمة دمشق، في حدث وصفه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنه "نهاية عقود من القمع وبداية فرصة لإعادة بناء وطن شامل".  


التحرير جاء بعد عملية عسكرية واسعة أطلقتها المعارضة المسلحة تحت اسم "ردع العدوان"، نجحت في اختراق خطوط النظام وضرب اتصالاته وتوظيف أبناء المناطق في تحرير مدنهم، لتنهار دفاعاته خلال اثني عشر يومًا وتنتهي عقود حكم آل الأسد التي امتدت لأكثر من نصف قرن. 

ومع دخول القوات إلى دمشق، دوّى صوت المؤذنين معلنين "سقوط الطاغية بشار الأسد". تلك اللحظة تحولت إلى أيقونة في ذاكرة السوريين، الذين خرجوا إلى الشوارع محتفلين بانتصار ثورتهم بعد 14 عامًا من التضحيات.  


لكن النصر لم يكن نهاية المعركة، بل بداية مواجهة مباشرة مع تحديات جسيمة. فالحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع وجدت نفسها أمام ملفات معقدة، أبرزها التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية ومحاولة دمجها في مؤسسات الدولة، ومواجهة تنظيم الدولة الإسلامية عبر عمليات أمنية مشتركة مع التحالف الدولي، إلى جانب إعادة بناء الاقتصاد والطاقة.

وزارة الطاقة أعلنت رفع ساعات الكهرباء اليومية من أربع إلى أربع عشرة ساعة، فيما استقطبت دمشق استثمارات تجاوزت ثمانية وعشرين مليار دولار، وعادت إلى النظام المالي العالمي عبر "سويفت"، في خطوات اعتبرها المراقبون بداية لإعادة تأسيس قطاعات الدولة المدمرة لا مجرد إصلاحها.  


وفي الذكرى السنوية الأولى للتحرير، وقف الرئيس السوري أحمد الشرع على منبر المسجد الأموي في دمشق مرتديًا الزي العسكري الذي دخل به العاصمة قبل عام، وأدى صلاة الفجر قبل أن يخاطب الشعب بكلمات مؤثرة قال فيها:  

"أيها السوريون أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فوالله لن يقف في وجهنا أي أحد مهما كبر أو عظم، ولن تقف في وجهنا العقبات وسنواجه جميعًا كل التحديات بإذن الله."  

وأضاف الشرع: "سنعيد سوريا قوية ببناء يليق بحاضرها العريق، ونعيد بناءها بطاعة الله عز وجل ونصرة المستضعفين والعدالة بين الناس. لن يقف في وجهنا أي تحد مهما كبر أو عظم، ولن تقف بوجهنا العقبات وسنواجه كل التحديات".

وفي لفتة رمزية، أعلن الرئيس أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أكرم سوريا بهدية قطعة من ستار الكعبة، وقال: "آثرنا أن تكون القطعة في مسجد بني أمية لتمتد أواصر المحبة والأخوة من مكة المكرمة إلى بلاد الشام." وختم الشرع خطابه بالدعاء: "نسأل الله أن يحمي هذا البلد وأن يعيننا على خدمته وبنائه وعلى خدمة الشعب السوري بإذن الله".


على المستوى الدولي، وصف غوتيريش سقوط الأسد بأنه نهاية عقود من القمع، مؤكدًا أن هذه المرحلة فرصة لبناء وطن آمن وكريم لكل السوريين، وشدد على التزام الأمم المتحدة بدعم المرحلة الانتقالية بقيادة السوريين أنفسهم، وعلى ضرورة إرساء العدالة الانتقالية والمساءلة.  


وبعد عام على التحرير، تبدو سوريا وكأنها تقف على بوابة زمن جديد، حيث بدأت البلاد تتنفس بعد إزالة الحواجز الأمنية وامتيازات المجموعات العسكرية، ما أعاد الحركة الطبيعية للتجارة وخفض التكاليف، فيما استعادت موقعها على الخريطة الدولية كدولة تسعى للاستقرار والانفتاح، لا كملف أمني أو عبء إقليمي.

وبين إرث نصف قرن من القمع وفرصة البناء، يقف السوريون اليوم أمام مهمة صياغة عقد اجتماعي جديد يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لمرحلة لا تشبه ما سبقها، مرحلة بناء دولة طبيعية في عالم مضطرب، دولة تستعيد قرارها الوطني وتفتح صفحة جديدة في تاريخها.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال