شهدت مدينة تدمر وسط سوريا، السبت، هجوماً مسلحاً استهدف دورية مشتركة بين القوات الأميركية والأمن السوري، وأسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومدني أميركي إضافة إلى عنصرين من الأمن السوري وإصابة آخرين بجروح خطيرة، فيما قُتل منفذ الهجوم خلال الاشتباك ونقلت مروحيات أميركية المصابين إلى قاعدة التنف جنوبي البلاد.
وقع الهجوم أثناء جولة ميدانية مشتركة لقوات التحالف الدولي وقيادة الأمن الداخلي السوري في بادية تدمر، حيث فتح المهاجم الذي قالت القيادة الوسطى الأميركية إنه ينتمي لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" النار على الحرس الخارجي للوفد، ما دفع إلى إغلاق الطريق الدولي دير الزور/دمشق مؤقتاً وتحليق مقاتلات أميركية من طراز F-16 فوق المنطقة في استعراض للقوة، بالتزامن مع تحليق منخفض للطائرات الحربية وإلقاء بالونات حرارية أثارت قلق السكان.
البنتاغون أكد مقتل الجنود والمترجم المدني، فيما توعد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بملاحقة كل من يستهدف الأميركيين دون رحمة، وأوضح أن المهاجم كان عنصراً من داعش بمفرده وقُتل على يد قوات شريكة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب نعى الضحايا قائلاً إن بلاده فقدت "ثلاثة مواطنين عظماء"، وتعهد بالرد على التنظيم إذا هوجمت القوات الأميركية مجدداً، مشيراً إلى أن الهجوم وقع في منطقة بالغة الخطورة خارج سيطرة الحكومة السورية، وكشف أن الرئيس السوري أحمد الشرع عبّر عن غضبه الشديد من الحادث.
المبعوث الأميركي توم براك شدد على أن الولايات المتحدة ستواصل مواجهة التحديات الأمنية بالتعاون مع السوريين، فيما اعتبر أن أي هجوم سيقابل بعقاب سريع وحاسم.
من جانبها، أوضحت وزارة الداخلية السورية أن المهاجم لا يرتبط بالأمن الداخلي، مؤكدة أن التحالف لم يأخذ التحذيرات السورية بجدية بشأن احتمال خرق أمني من داعش، وكشفت أنها حذرت مسبقاً القوات الشريكة في البادية من هجمات محتملة للتنظيم.
وأكدت أن منفذ الهجوم تم تحييده بعد اشتباك مع قوات الأمن السوري والتحالف، ونفت أي تصريحات منسوبة لها خارج الإعلام الرسمي.
أما قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي فأعرب عن أسفه لإصابة الأميركيين والسوريين، مؤكداً أن تزايد هذه الهجمات يتطلب جهوداً مشتركة لمكافحة الإرهاب، فيما رأت قسد أن الرد سيكون حاسماً ومباشراً ضد المنفذين والداعمين.
تقع تدمر في عمق البادية السورية وتضم مواقع عسكرية استراتيجية مثل مطار تي فور ومقر أمن البادية إضافة إلى حقول الفوسفات والغاز، وقد سيطر عليها تنظيم الدولة عامي 2015 و2016 ودمر معالم أثرية بارزة ونفذ عمليات إعدام بحق سكان وعسكريين قبل أن يخسر المنطقة لاحقاً إثر هجمات للقوات الحكومية بدعم روسي ثم أمام التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ما أدى إلى انهيار سيطرته الواسعة بحلول 2019 رغم استمرار خلاياه في شن هجمات متفرقة في الصحراء.
ويرى خبراء أن الهجوم يكشف عن تعاون إستراتيجي متنامٍ بين واشنطن ودمشق، حيث اعتبر العميد إلياس حنا أن الحادث سيعزز الدعم الأميركي العسكري لسوريا الجديدة بعد رفع العقوبات وانضمامها رسمياً للتحالف الدولي، فيما رجّح الباحث الأميركي جيمس روبنز أن يكون الهجوم من تنفيذ داعش وربما له علاقة بالتصويت في الكونغرس على رفع العقوبات عن سوريا لكنه لن يوقف التعاون السياسي بين الطرفين.
أما الكاتب السياسي ياسر النجار فطرح فرضية الذئاب المنفردة مشيراً إلى أن الهجوم يفضح ثغرة أمنية في المنطقة ورأى أن إسرائيل قد تكون مستفيدة من إظهار سوريا في وضع أمني مأزوم، كما اعتبر أن قسد ستوظف الحادث للتأكيد على دورها ضمن التحالف.
ويجمع محللون على أن هجوم تدمر يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من ملاحقة خلايا تنظيم الدولة داخل الأراضي السورية بغطاء جوي أميركي ودعم لوجستي وتقني للقوات السورية، كما قد يدفع واشنطن إلى تعزيز وجودها العسكري في سوريا وسط جدل داخلي أميركي حول جدوى هذا الدور، في وقت يواصل فيه التحالف الدولي إعادة رسم استراتيجيته لتعزيز الحضور في عمق البادية السورية.
