دمشق و"قسد": مفاوضات متسارعة تحت ضغط المهلة والتهديدات التركية


تشهد الساحة السورية في الأيام الأخيرة حراكاً سياسياً وعسكرياً مكثفاً مع اقتراب الموعد النهائي لتنفيذ اتفاق دمج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في مؤسسات الدولة السورية، وسط ضغوط متزايدة من أطراف إقليمية ودولية أبرزها تركيا والولايات المتحدة، حيث أكدت مصادر أن دمشق أرسلت لأول مرة مقترحاً خطياً إلى قيادة "قسد" يتضمن إعادة تنظيم نحو خمسين ألف مقاتل في ثلاث فرق رئيسية وألوية أصغر مقابل فتح مناطق سيطرة القوات الكردية أمام وحدات الجيش السوري والتنازل عن بعض سلاسل القيادة، فيما يستعد وفد تفاوضي من "قسد" للتوجه إلى العاصمة السورية لمناقشة تفاصيل المقترح بما في ذلك مصير وحدات حماية المرأة وقوى الأمن الداخلي إضافة إلى تعيين مقاتلين في مناصب قيادية داخل وزارتي الدفاع والداخلية.  


في الوقت ذاته شدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على أن "صبر الأطراف بدأ ينفد" محذراً من أي تأجيل جديد في تنفيذ الاتفاق الموقع في آذار الماضي بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي، مؤكداً أن أنقرة لا ترغب في العودة إلى الخيار العسكري لكنها ترى أن استمرار الوضع الحالي يهدد وحدة البلاد، بينما لعبت واشنطن دور الوسيط في نقل الرسائل بين دمشق و"قسد" من دون إعلان موقف واضح، إذ وصف مسؤولون غربيون أي إعلان محتمل في الأيام المقبلة بأنه سيكون أقرب إلى "حفظ ماء الوجه" وتمديد المهلة أكثر من كونه انفراجة حقيقية، خاصة أن الاتفاق الذي وُقّع في قصر الشعب بدمشق نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة بما في ذلك المعابر والمطارات وحقول النفط والغاز، لكن الأشهر الماضية شهدت تبادلاً للاتهامات بشأن المماطلة في التنفيذ، فيما يرى مسؤولون في الإدارة الذاتية أن تطبيق جميع البنود قد يستغرق حتى منتصف 2026.  


وفي هذا السياق قال القيادي الكردي ألدار خليل في مقابلة مع قناة الحدث إن الإصرار على المركزية في سوريا سيؤدي إلى تفاقم الصراع مشيراً إلى أن صبرهم قد نفد من الضغوط التركية وأن هاكان فيدان يتصرف وكأنه وزير خارجية سوريا، مؤكداً أن بإمكانهم المساهمة في بناء منظومة ديمقراطية داخل البلاد ولافتاً إلى وجود اجتماعات غير مباشرة للتوصل إلى اتفاق بشأن الاندماج العسكري وفق اتفاق العاشر من آذار، موضحاً أن الإعلان الدستوري للحكومة المؤقتة يتناقض مع ذلك الاتفاق وأن هناك قضايا أساسية يجب مناقشتها مثل ضرورة مشاركتهم في لجنة صياغة الدستور في حين أن الحكومة المشكلة والبرلمان لا دور لهم فيهما، وختم بالتعبير عن أمله في أن تكون ردود الحكومة الانتقالية إيجابية.  


ومع ذلك يدرك الجميع أن "قسد" ليست مشروعاً وطنياً جامعاً يمكن أن يندمج بشكل طبيعي في مؤسسات الدولة السورية، بل كيان بُني على أساس يراهن على إضعاف الدولة وفتح الباب أمام الفوضى والحرب الأهلية وصولاً إلى تقسيم البلاد وتمزيق نسيجها الاجتماعي، وهو ما تعيه دمشق جيداً وتتعامل معه بحسابات دقيقة لا بارتجال ولا بتنازل، فالمشهد ليس ضعفاً ولا تراجعاً بل إدارة صراع بعقل الدولة بعيداً عن عاطفة الشارع، الأمر الذي يستدعي التريث وعدم الانجرار وراء التحليلات السطحية وانتظار ما يصدر عن الإعلام الرسمي الذي يعكس الموقف الحقيقي للدولة.  


ويبدو أن رفض "قسد" السماح لشعب الجزيرة السورية بالاحتفال بسقوط النظام البائد كشف عن خشيتها من إظهار حقيقة الحاضنة الشعبية في المنطقة التي تميل في غالبيتها إلى تأييد الحكومة السورية، إذ أن دخول الجيش السوري إلى الجزيرة سيؤدي على الأرجح إلى التفاف واسع من قبل عرب المنطقة حوله بما في ذلك العناصر العربية المنضوية ضمن صفوف "قسد"، وهو ما يشكّل تهديداً مباشراً لنفوذها العسكري والسياسي، لتجد نفسها أمام مأزق حقيقي: القبول بالعرض السوري يعني خسارة تدريجية للسيطرة والقرار، فيما الرفض قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري لا تملك أدوات كافية لمواجهته، ويزداد هذا المأزق تعقيداً مع نجاح دمشق في إقناع أنقرة بصيغة ثلاث فرق عسكرية متكاملة وهو ما يضيّق هامش المناورة أمام "قسد" أكثر من أي وقت مضى.  


خاصة أن الحكومة السورية تضغط عليها بمطلب واضح يتمثل في طرد قيادات وحدة الاستخبارات التابعة لها من قادة حزب العمال الكردستاني المدرجين على اللائحة الحمراء التركية، حيث ترفض أنقرة وجودهم تحت أي ظرف وهددت باستهدافهم بشكل مباشر على لسان نائب مدير جهاز المخابرات التركي، بينما تعتبر "قسد" هذا المطلب خطاً أحمر وهو ما يشكّل العقدة الأساسية التي تعرقل سير الاجتماعات وتؤخر الوصول إلى أي تفاهم نهائي حتى الآن.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال