ترمب يرسم خطاً أحمر لإسرائيل ويمنح دمشق دعماً غير مسبوق


في مشهد سياسي متشابك، تتسارع التطورات بين دمشق وتل أبيب على وقع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب وتحركات الجيش الإسرائيلي في الداخل السوري. فقد جدد ترمب تحذيره للحكومة الإسرائيلية، داعياً إياها إلى الامتناع عن أي إجراءات قد تُعرقل مسار الانتقال السياسي في سوريا، مؤكداً أن إدارته "راضية جداً" عن أداء الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع الذي يقود البلاد منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في كانون الأول 2024.  


ترمب أوضح في منشور على منصة "تروث سوشال" أن من المهم للغاية أن تحافظ إسرائيل على حوار قوي وحقيقي مع سوريا، وألا يحدث أي أمر من شأنه أن يتدخل في تطوّرها لتصبح دولة مزدهرة، مشيراً إلى أن واشنطن عملت في حدود قدرتها لدعم إعادة إعمار سوريا، بما في ذلك رفع العقوبات القاسية التي فُرضت عليها خلال الأعوام الماضية. هذه الرسائل جاءت بالتزامن مع مكالمة هاتفية بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية مساعي واشنطن لتهدئة التوترات بين تل أبيب ودمشق.  


بيت جن… بداية التحذير


الأحداث الأخيرة في بلدة بيت جن جنوب غربي دمشق شكّلت نقطة تحول، حيث نفذت قوات إسرائيلية عملية توغل أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 13 شخصاً وإصابة 6 جنود إسرائيليين، في مواجهة اعتُبرت غير مسبوقة منذ سنوات. إسرائيل بررت العملية بأنها استهدفت عناصر من "تنظيم الجماعة الإسلامية"، لكن واشنطن رأت أن السلوك الإسرائيلي يضر بجهودها الرامية إلى التوصل لاتفاق أمني شامل. بيت جن، الواقعة على سفوح جبل الشيخ، لطالما كانت منطقة حساسة في التوازنات الميدانية، وقد تحولت اليوم إلى رمز لمحدودية القوة الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.  


القنيطرة… استمرار الانتهاكات


لم تتوقف التحركات الإسرائيلية عند بيت جن، إذ جدد الجيش الإسرائيلي توغلاته في ريف القنيطرة جنوب غربي البلاد، حيث دخلت قوات إسرائيلية إلى قرى مثل صيدا الحانوت وعين زيوان، وتمركزت آليات عسكرية داخلها، فيما أطلقت النار على منازل مدنيين وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا). كما نقلت التقارير المحلية أن الجيش الإسرائيلي دمّر خلال الأشهر الماضية مئات الدونمات من الغابات، وأقام حواجز لتفتيش المدنيين واعتقل عدداً من السكان، في انتهاكات متكررة لسيادة الأراضي السورية. هذه التحركات تعكس محاولة إسرائيل استغلال الوضع الداخلي السوري لتوسيع وجودها العسكري في المناطق الحدودية، وهو ما تعتبره دمشق انتهاكاً صارخاً لاتفاقية فصل القوات لعام 1974، رغم إعلان تل أبيب انهيارها بعد سقوط نظام الأسد.  


الشرع… رجل قوي في البيت الأبيض


على الجانب السياسي، تواصلت اللقاءات بين واشنطن ودمشق، حيث بحث الرئيس السوري أحمد الشرع مع المبعوث الأميركي الخاص توماس باراك المستجدات الإقليمية والعلاقات الثنائية، في اجتماع هو الخامس من نوعه خلال الأشهر الستة الماضية، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. هذه اللقاءات تشير إلى انتقال العلاقة بين البلدين إلى مسار دبلوماسي مستمر بعد سنوات طويلة من القطيعة والعقوبات، خاصة بعد الزيارة الأولى من نوعها للشرع إلى البيت الأبيض في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حيث التقى بترمب في خطوة اعتُبرت بداية لمرحلة من الانفتاح الأميركي على النظام السوري الجديد. ترمب وصف الشرع حينها بأنه "رجل قوي" قادر على قيادة بلاده نحو الاستقرار، وهو ما يمنح شرعية إضافية للنظام الجديد في دمشق.  


قراءة في المشهد


تصريحات ترمب الأخيرة، مقترنة بأحداث بيت جن والتوغلات الإسرائيلية في القنيطرة، تعكس ملامح مرحلة جديدة في السياسة الأميركية تجاه سوريا: دعم القيادة الجديدة بقيادة الشرع، الضغط على إسرائيل لضبط سلوكها، والسعي لفتح أفق سلام إقليمي برعاية أميركية مباشرة. هذه التطورات قد تشكل بداية مسار طويل لإعادة صياغة العلاقات بين دمشق وتل أبيب، في ظل رعاية أميركية ترى في استقرار سوريا فرصة تاريخية لإرساء توازن جديد في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع مصالح واشنطن مع طموحات دمشق في إعادة الإعمار، ومع حسابات إسرائيل الأمنية في الجولان والحدود الجنوبية.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال