سوريا بين أمل التعافي وضغوط إسرائيل: واشنطن وسيط متردد


عقد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الثلاثاء، مباحثات في دمشق مع المبعوث الأميركي الخاص توم باراك، في إطار مساعٍ يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتهدئة التوتر بين دمشق وتل أبيب. اللقاء تناول المستجدات الإقليمية وتعزيز التعاون المشترك، فيما نقلت تقارير أميركية أن باراك أجرى محادثات متوترة مع مسؤولين إسرائيليين حول الملف السوري.  


هذه التحركات الدبلوماسية جاءت في وقت يعيش فيه السوريون أجواء احتفالية مع اقتراب الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد، ممزوجة بالقلق من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية. فبينما يأملون أن تنعكس النجاحات الدبلوماسية على حياتهم اليومية وتفتح الباب لإعادة الإعمار، تواصل إسرائيل توغلاتها العسكرية، كان أبرزها العملية الأخيرة في بلدة بيت جن التي أسفرت عن مقتل 13 مدنياً وإصابة ستة جنود إسرائيليين.  


منذ البداية، حرصت الإدارة السورية الجديدة على إرسال رسائل طمأنة لجيرانها والعالم بأنها لا تشكل تهديداً، وسعت عبر المفاوضات غير المباشرة بوساطة أميركية إلى اتفاق أمني مشابه لاتفاقية فض الاشتباك عام 1974. لكن المفاوضات تعثرت، إذ رفضت إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد كانون الأول 2024، وربطت أي انسحاب باتفاق سلام كامل دون استعداد لإعادة الجولان المحتل منذ 1967.  


رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، صعّد الموقف بجولة استفزازية في المنطقة العازلة، رافقه خلالها كبار قادة الجيش والاستخبارات، قبل أن تخترق مقاتلات إسرائيلية الأجواء السورية وصولاً إلى الساحل. هذه التحركات، التي تبررها تل أبيب بحماية "حلفائها الدروز"، تكشف أطماعاً توسعية تتجاوز الأمن إلى فرض واقع جديد على الأرض.  


في المقابل، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب التأكيد على دعمه لاستقرار سوريا وتحولها إلى "دولة مزدهرة"، مشيداً بجهود الرئيس السوري أحمد الشرع، ومعلناً إلغاء العقوبات "المؤلمة" التي ساعدت دمشق كثيراً. الشرع بدوره زار واشنطن مرتين خلال أشهر قليلة، وألقى كلمة تاريخية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ليصبح أول زعيم سوري يفعل ذلك منذ عقود.  


لكن الموقف الأميركي يبقى متردداً. فبينما يسعى ترامب إلى اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب، يرى محللون أنه غير قادر على ممارسة ضغط حقيقي على نتنياهو، الذي يشعر بالقوة ويستغل حاجة ترامب لدعمه في الانتخابات، إضافة إلى ملفات أخرى مثل غزة وصفقات "إف-35" مع تركيا والسعودية.  


في الداخل الإسرائيلي، يواجه نتنياهو أزمة ثقة بسبب ملفات الفساد والانقسامات السياسية، وسط احتجاجات شعبية ومطالبات برفض العفو عنه. صحف إسرائيلية حذرت من أن سياسته تجاه سوريا "تفتقر إلى رؤية واضحة"، وقد تؤدي إلى فتح جبهة جديدة غير محسوبة.  


أما دمشق، فترى أن أي اتفاق أمني يجب أن يُفصل عن اتفاق السلام الذي يستوجب إعادة الجولان، وتؤكد أن إسرائيل، التي تواصل وضع العراقيل أمام استقرارها. الشرع نفسه قال لصحيفة واشنطن بوست إن أطماع إسرائيل "قد تصل إلى ميونخ"، في إشارة إلى أن ما تريده تل أبيب يتجاوز السلام إلى اتفاق إذعان.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال