لأول مرة منذ نصف قرن تطوي سوريا صفحة نقدية ارتبطت بوجوه السلطة وتفتح باباً جديداً بعملة لا تحمل صور آل الأسد بل تحمل رمزية وطنية تسعى إلى إعادة بناء الثقة المفقودة بين المواطن والاقتصاد. إعلان الرئيس أحمد الشرع وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية عن الليرة السورية الجديدة لم يكن مجرد قرار مالي بل رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد تقول إن مرحلة انتهت وأخرى بدأت وإن الورقة النقدية لم تعد مجرد وسيلة تبادل بل مرآة لواقع بلد يبحث عن التعافي بعد سنوات الحرب والانهيار.
الرئيس الشرع وصف الخطوة بأنها عملية جراحية دقيقة تهدف إلى تعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني وتسهيل حياة المواطنين في تعاملاتهم اليومية مؤكداً أن التصميم الجديد يعكس هوية وطنية جامعة ترتبط بالطبيعة والجغرافيا السورية بعيداً عن تقديس الأشخاص وشدد على ضرورة نشر ثقافة مالية مسؤولة تمنع المضاربات وتدعم الاستقرار النقدي.
أما الحصرية فأوضح أن العملية تقنية بحتة تقوم على حذف صفرين من القيمة الاسمية للعملة القديمة بحيث تعادل كل مئة ليرة قديمة ليرة واحدة جديدة مؤكداً أن الهدف الأساسي هو تبسيط الإجراءات وضبط الكتلة النقدية مع الاستفادة من تجارب دول أخرى نجحت في استبدال عملتها بعد الحروب أو التحولات السياسية الكبرى.
تفاصيل عملية الاستبدال تبدأ في الأول من كانون الثاني 2026 وتمتد لتسعين يوماً قابلة للتمديد وتشمل المرحلة الأولى الفئات الكبيرة من العملة القديمة وهي 1000 و2000 و5000 ليرة على أن تكون الفئات الجديدة ستة تبدأ من 5 ليرات وصولاً إلى 500 ليرة جديدة مع ميزات أمنية حديثة وتسهيلات لضعيفي البصر والمكفوفين فيما أكد الشرع أن جميع العقود والمعاملات المصرفية ستعتمد الليرة الجديدة حصرياً اعتباراً من بداية العام وأن الاستبدال مجاني بالكامل دون رسوم أو ضرائب.
إزالة صور حافظ وبشار الأسد من العملة ليست مجرد تعديل شكلي بل تمثل طي صفحة رمزية عمرها نصف قرن فالليرة التي كانت تحمل وجوه السلطة تحولت إلى رمز لانهيار اقتصادي وتضخم غير مسبوق واليوم تأتي العملة الجديدة لتعلن بداية مرحلة مختلفة تحمل رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد لكنها في الوقت نفسه تواجه واقعاً اقتصادياً قاسياً يتمثل في ضعف الموارد حيث لم يتجاوز احتياطي النقد الأجنبي 200 مليون دولار ومخزون الذهب 26 طناً فقط إضافة إلى توقف الصادرات وانهيار السياحة وتراجع تحويلات المغتربين فيما يعيش نحو تسعين في المئة من السوريين تحت خط الفقر.
العملة الجديدة قد تفتح نافذة أمل وتعيد بعض الثقة المفقودة بالاقتصاد الوطني لكنها تذكير أيضاً بأن تغيير الورقة أسهل من تغيير الواقع فاستعادة قيمة الليرة لن تتحقق إلا عبر إصلاح اقتصادي عميق وزيادة الإنتاج وخفض البطالة وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة لتبقى الخطوة الحالية بداية رمزية تحمل معنى سياسياً واقتصادياً لكنها تضع السوريين أمام سؤال أكبر هل تكفي الورقة الجديدة لطي صفحة الماضي أم أن الطريق نحو التعافي ما زال طويلاً وشاقاً ؟!.
