من حلب إلى الطبقة… مشهد يتغيّر لحظة بلحظة في غرب الفرات


تشهد مناطق ريف حلب الشرقي ومحافظة الرقة تطورات متسارعة مع دخول الجيش السوري إلى مواقع حيوية أبرزها دير حافر ومسكنة ومطار الجراح العسكري بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من عشرات الكيلومترات شرق حلب، حيث أعلن الجيش سيطرته على 34 قرية وبلدة وصولًا إلى مشارف الرقة الغربية عند قرية دبسي عفنان في خطوة عسكرية اعتبرها مراقبون تحولًا كبيرًا في خريطة السيطرة غرب الفرات. وفي المقابل اتهمت قسد القوات الحكومية بدخول دير حافر ومسكنة قبل اكتمال انسحابها وشن هجمات على مواقعها في دبسي عفنان معتبرة ذلك خرقًا للاتفاق المبرم برعاية دولية، بينما أكد الجيش أن عناصره تعرضوا لهجمات بطائرات مسيرة ونيران قسد في المنطقة. ورغم التحذيرات من الألغام والمخلفات الحربية عاد بعض المدنيين إلى دير حافر ومحيطها وسط مخاوف من نزوح أكبر، وأكدت مصادر محلية أن الجيش يعمل على تمشيط المنطقة وتأمينها فيما فرضت قسد حظر تجول في محافظة الرقة مع تقدم القوات الحكومية.


وفي قراءة عسكرية للمشهد أوضح اللواء فايز الدويري أن ما يجري هو استكمال للعمليات في البادية الشامية جنوب وغرب الفرات، مشيرًا إلى أن السيطرة الكاملة باتت قريبة بالنظر إلى مسار العمليات خلال الساعات الماضية، وأن دعوة القبائل العربية في دير الزور ستلعب دورًا مهمًا كونها البوابة الرئيسية لبادية الجزيرة التي قد تنسحب إليها قسد حال خسارتها البادية الشامية. سياسيًا يرى الدويري أن قسد فقدت مكانتها السابقة لدى الأميركيين وأن واشنطن باتت تميل نحو دمشق باعتبارها الدولة الموحدة، خاصة بعد إشارات واضحة خلال اجتماع أربيل الأخير، معتبرًا أن إلقاء المقاتلات الأميركية قنابل إنارة على مواقع الاشتباكات رسالة مفادها أن الولايات المتحدة تراقب مجريات الميدان عن قرب.


وتزامن ذلك مع تطور اقتصادي لافت تمثل بإعلان الجيش السوري السيطرة على ثلاثة مواقع نفطية مهمة قرب الطبقة هي حقل صفيان وعقدة الرصافة وحقل الثورة، وهي مواقع تشكل مصادر دخل رئيسية لقسد، إذ يقدَّر إنتاجها بين ثلاثة آلاف وستة آلاف برميل يوميًا بإيرادات شهرية تصل إلى خمسة ملايين دولار. ورغم انخفاض الإنتاج مقارنة بما قبل 2011 فإن السيطرة عليها تمنح الطرف الممسك بها قدرة على التحكم بحركة النفط شرق الفرات، في وقت تتقدم فيه القوات الحكومية نحو مطار الطبقة العسكري من عدة محاور.


وفي موازاة التطورات الميدانية برزت تصريحات سياسية لافتة من وزارة الخارجية السورية التي أكدت أن الموقف الأميركي بات داعمًا لجهود الحكومة في إنهاء الحالة الفصائلية، مشيرة إلى وجود مشاورات مستمرة مع الجانب الأميركي حول تنفيذ اتفاق آذار، وأن العملية العسكرية في حلب تهدف إلى إطلاق برنامج تنمية شاملة ضمن مسار توحيد الأراضي السورية. وأوضحت الوزارة أن الباب لا يزال مفتوحًا أمام عناصر قسد للعودة إلى الوطن، وأن جهود دمج القوات تتركز على المقاتلين السوريين داخل صفوفها. وفي تصريحات لتلفزيون سوريا قالت الخارجية إن الموقف الأميركي متناغم مع رؤية دمشق بشأن توحيد الأراضي السورية، وإن هناك جهودًا متواصلة لإقناع قادة قسد بالالتزام باتفاق العاشر من آذار، معتبرة أن الدعوات الأميركية لوقف إطلاق النار موجّهة لقسد بالدرجة الأولى، وأن الأخيرة تتحمل مسؤولية التصعيد الأخير في حلب وما تلاه. وأضافت أن التواصل مستمر مع إدارة ترمب لتوضيح أهداف العملية العسكرية، وأن جهود السفير توم باراك تصب في دفع قسد لتنفيذ الاتفاق، مؤكدة أن واشنطن مؤيدة لموقف دمشق في التعامل مع الملف، وأن العملية العسكرية ستتوقف فور قبول قسد بتطبيق اتفاق آذار، مع الإشارة إلى استمرار التنسيق مع الجانب الأميركي في ملف مكافحة داعش وضبط الوضع الأمني.


وفي المقابل حذّر مسؤول أميركي من أن الاشتباكات بين الجيش السوري وقسد تعرقل العمليات ضد تنظيم داعش وقد تؤدي إلى انهيارها، مشيرًا إلى مخاوف من هروب معتقلين من مراكز الاحتجاز وتداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار، فيما أكدت القيادة المركزية الأميركية أن استمرار العمليات بين حلب والطبقة يعقّد الأوضاع ويقوّض جهود مكافحة التنظيم داعية إلى خفض التوتر والتعاون المشترك.


وفي تطور ميداني جديد أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري فرض السيطرة على سد المنصورة المعروف سابقًا بسد البعث، إضافة إلى بلدتي رطلة والحمام بريف الرقة، ليصبح الجيش على بعد أقل من خمسة كيلومترات من المدخل الغربي لمدينة الرقة. كما أكدت مديرية إعلام الرقة أن مطار الطبقة العسكري بات تحت السيطرة الكاملة للقوات الحكومية، ما يعكس استكمال المرحلة الأولى من التقدم نحو عمق المحافظة.


وبين تقدم الجيش السوري ميدانيًا وخسارة قسد لمصادر دخلها النفطية ومواقف دولية متباينة بين القلق والدعم، يبدو المشهد غرب الفرات مرشحًا لمزيد من التعقيد، فالميدان يشهد تغييرات متسارعة والسياسة الدولية تضغط لمنع الانهيار الأمني فيما يعيش المدنيون بين محاولات العودة إلى منازلهم ومخاوف من موجات نزوح جديدة.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال