يخيم هدوء حذر على مدينة حلب شمالي سوريا بعد أيام من اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بدأت شرارتها في ريف حلب الشرقي عندما استهدفت قسد نقطة عسكرية قرب بلدة دير حافر بطائرة مسيّرة، ما أسفر عن إصابة ثلاثة جنود وعطب آليتين. هذا الهجوم سرعان ما امتد إلى داخل المدينة، حيث شهدت أحياء عدة قصفًا متبادلًا واشتباكات مسلحة، أبرزها في حي الميدان الذي سقط فيه أربعة مدنيين بينهم امرأتان، وفي محيط دوار شيحان الذي تعرض لهجوم بطائرة مسيّرة تبعه إطلاق نار كثيف.
وبينما تبادلت الأطراف الاتهامات حول المسؤولية عن استهداف أحياء ومناطق مختلفة في المدينة وريفها، اتخذت الجهات الرسمية السورية إجراءات عاجلة: إذ أعلنت الهيئة العامة للطيران تعليق جميع الرحلات من وإلى مطار حلب الدولي لمدة أربع وعشرين ساعة، وأصدر محافظ حلب قرارًا بتعليق الدوام في المدارس والجامعات والدوائر الحكومية وإلغاء الفعاليات الاجتماعية، مشيرًا إلى أن القرار جاء بعد استهداف مؤسسات مدنية ومستشفيات. كما أُغلق طريق حلب/غازي عنتاب عند دوار الليرمون عقب استهداف عناصر من الجيش السوري على طريق الكاستيلو.
التوتر الميداني يتزامن مع تعثر تنفيذ اتفاق العاشر من آذار 2025 الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، والذي ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرقي البلاد في إدارة الدولة وفتح المعابر والمطارات وحقول النفط والغاز. ورغم الاجتماعات الأخيرة في دمشق، لم تُسفر المحادثات عن نتائج ملموسة؛ إذ تتهم دمشق قسد بالمماطلة في تنفيذ الاتفاق، بينما تؤكد الأخيرة أنها متمسكة به وتصف المشاورات الأخيرة بأنها إيجابية بنسبة تسعين في المئة. لكن الواقع الميداني يوحي بأن الطريق إلى الدمج لا يزال مليئًا بالعقبات، وأن أي خطأ في الحسابات قد يعيد البلاد إلى مربع الفوضى.
الأزمة لم تبقَ محصورة داخل سوريا، بل امتدت إلى المشهد الإقليمي والدولي. الولايات المتحدة تجد نفسها أمام معادلة معقدة بين دعم حليفها قسد والتقارب مع الحكومة السورية الجديدة، فيما حذر محللون أميركيون من أن استمرار التصعيد قد يعيد البلاد إلى أجواء الحرب الأهلية. أما تركيا فقد شددت على رفضها لأي وجود مسلح لقسد أو الفصائل الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وطالب وزير الدفاع يشار غولر هذه الفصائل بتسليم سلاحها فورًا، مؤكدًا أن أنقرة لن تسمح بتجذرها في المنطقة.
من جانبه، وصف وزير الطوارئ والكوارث رائد الصالح استهداف الأحياء السكنية بأنه استهتار بأرواح المدنيين، مؤكدًا أن الشعب السوري يستحق الأمان بعد سنوات من القصف والتهجير. فيما اعتبر مستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الإعلامية أحمد موفق زيدان أن ممارسات قسد أعادت إلى أذهان السوريين صورة عصابات الأسد، مشددًا على أن سوريا ستبقى موحدة بجميع مكوناتها وأن أي محاولة لتقسيمها ليست سوى "حرث في البحر".
وفي المحصلة، تبدو حلب اليوم صورة مكثفة للأزمة السورية بكل أبعادها: تصعيد ميداني يهدد حياة المدنيين، مفاوضات سياسية تراوح مكانها، وضغوط إقليمية ودولية تزيد المشهد تعقيدًا. وبينما يترقب السوريون تنفيذ اتفاق الدمج باعتباره خطوة أساسية نحو وقف العنف وفتح باب الاستقرار، فإن تعثره يضع البلاد أمام مفترق طرق حاسم؛ إما المضي نحو بناء دولة موحدة قادرة على تجاوز الماضي، أو الانزلاق مجددًا إلى دوامة صراع لا نهاية لها.
