اشتباكات حلب تكشف هشاشة الاتفاقات وتضع المدنيين في قلب الأزمة


تجددت المعارك في مدينة حلب بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ما أدى إلى نزوح واسع من حيي الشيخ مقصود والأشرفية نحو مناطق أكثر أمانًا. وأعلن الجيش فتح معبرين إنسانيين رئيسيين هما العوارض وشارع الزهور لتأمين خروج المدنيين، فيما تولى الدفاع المدني إجلاء آلاف العائلات إلى مراكز إيواء مؤقتة شملت عدداً من المساجد في المدينة. ومع تصاعد الاشتباكات وسقوط القذائف على الأحياء السكنية، فرضت السلطات إجراءات مشددة شملت حظر تجوال وتعليق الدوام في المؤسسات والمدارس والجامعات، إضافة إلى تعليق الرحلات الجوية في مطار حلب الدولي وتحويلها إلى دمشق.


مصادر ميدانية أوضحت أن نحو 80% من سكان الحيين خرجوا استجابة لنداء الجيش، بينما أعلنت وزارة الداخلية إصابة ثلاثة من عناصر الأمن خلال تأمين خروج الأهالي جراء قصف مدفعي من قسد على دوار شيحان. وأكدت وزارة الدفاع أن وحدات الاستطلاع رصدت قيام التنظيم بتفخيخ الطرق الرئيسية والفرعية وزرع عبوات ناسفة في الممتلكات العامة والخاصة، ومنع مئات الأهالي من المغادرة عبر إطلاق النار لترويعهم. في المقابل، نفت قسد وجود قواتها داخل حلب، مؤكدة أنها سلمت الملف الأمني لقوى الأمن الداخلي، ووصفت الاتهامات بأنها مفبركة، محذرة من أن استمرار العمليات سيقود إلى حرب واسعة، مشيرة إلى رصد انتشار نحو 80 آلية عسكرية للحكومة في محيط المنطقة.


وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى أوضح أن ما يجري "عملية أمنية أكثر منه عملية عسكرية"، مشددًا على أن حماية جميع المواطنين، بمن فيهم الأكراد، مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة. وأشار إلى أن الإجراءات مرتبطة باتفاق نيسان الماضي الذي نص على سحب الأسلحة الثقيلة من حلب، لكن قسد لم تلتزم به وتواصل استخدام المدفعية ضد منشآت مدنية. وأضاف أن الهدف هو وقف القصف وهجمات المسيرات وإعادة الأمن والاستقرار إلى المدينة تحت عنوان "دولة واحدة وجيش واحد".


التوتر الراهن يأتي في ظل تعثر تنفيذ اتفاق العاشر من آذار 2025 الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، والذي نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرقي البلاد في إدارة الدولة وفتح المعابر والمطارات وحقول النفط والغاز. ورغم الاجتماعات الأخيرة في دمشق، لم تُسفر المحادثات عن نتائج ملموسة، فيما تتهم دمشق قسد بالمماطلة في تنفيذ الاتفاق بينما تؤكد الأخيرة أنها متمسكة به.


في السياق الإقليمي، أعرب الزعيم الكردي مسعود البارزاني عن قلقه البالغ من القتال الدائر في حلب وما يحمله من مخاطر على المدنيين واحتمال تعرض الكرد لعمليات تطهير عرقي، داعيًا السلطات السورية إلى عدم تحويل الخلافات السياسية إلى صراع قومي أو وسيلة للتهجير والاضطهاد.


ميدانيًا، أفادت مديرية صحة حلب بارتفاع حصيلة الضحايا المدنيين إلى خمسة قتلى، فيما تراوحت الإصابات بين 18 و31 حالة بحسب مصادر طبية، بعضها استدعى تدخلاً جراحيًا. ومع استمرار القصف والاشتباكات، يرى خبراء أن المدينة أمام ساعات حاسمة قد تحدد مصير الحيين الاستراتيجيين، وسط مخاوف من أن يتحول المشهد إلى استنزاف طويل يهدد استقرار ثاني أكبر المدن السورية. العقيد ضياء قدور اعتبر أن التحرك العسكري جاء رداً على مجموعات مسلحة خارجة عن القانون تعمل بمعزل عن قيادة قسد، فيما رأى العميد إلياس حنا أن العملية ضرورية لكنها ستكون بطيئة، محذرًا من أن عامل الوقت قد يتحول إلى أسوأ السيناريوهات إذا طال أمد الاستنزاف، بما ينعكس على هيبة الدولة وحركة الاقتصاد في العاصمة الاقتصادية لسوريا.


وتعيش مدينة حلب لحظة فارقة بين ضغوط الميدان وتعقيدات السياسة، حيث يتقاطع مصير آلاف المدنيين مع حسابات عسكرية وأمنية متشابكة. وبينما تتواصل محاولات فرض الاستقرار عبر المعابر والإجراءات الحكومية، ويبقى تنفيذ الاتفاقات المؤجلة هو العامل الحاسم في تجنيب المدينة استنزافًا طويلًا قد يهدد مكانتها الاقتصادية والاجتماعية. وفي ظل المخاوف الإقليمية والدعوات إلى الحوار، تبدو الساعات المقبلة اختبارًا لقدرة الأطراف على تغليب منطق الدولة على منطق السلاح، وصون حلب كرمز للتنوع والعيش المشترك في سوريا.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال